والأمر الذي ينبغي أن ينتبه إليه أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى منها، فإنك إذا وضعت لمن لك عليه دين أجلًا طويلًا، كأن توجله خمسين عامًا مثلًا، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون، فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب.
والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بيناها هنا، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس"وفي لفظ:"إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس".
إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر، فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجودًا، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة.
وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما"، ورواه مسلم عن سهل بلفظ:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول:"بعثت أنا والساعة هكذا" [1] ."
والمعنى أننا لو قدرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى، فإن ما بقي منه عند
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) فتح الباري: (11/347) ، ورواه مسلم في كتاب الفتن، باب قرب الساعة: (4/2468) ورقمه: (2950) ، وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا عن أنس رضي الله عنه.