فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 178

وذكر الشيخ الدردير أن من موجبات الردة إلقاء مصحف بقذر، ومثل ذلك تركه به، أي عدم رفعه إن وجده؛ لأن الدوام كالابتداء.

قال الشنقيطي عند قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا} : [اعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة «الفرقان» مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلّة تدلّ على أن الكفّ فعل لم أرَ أحدًا عثر عليها.

أحدها: قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا} ، فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه، انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب «نشر البنود، شرح مراقي السعود» ، في الكلام على قوله: فكفّنا بالنهي مطلوب النبيّ. قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكفّ فعل وتفسيره لها بما يدلّ على ذلك، لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلّت عليه، وهو كون الكفّ فعلًا دلّت عليه آيتان كريمتان من سورة «المائدة» ، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية «الفرقان» هذه، فإنه قد بيّنته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة «المائدة» . أمّا الأولى منهما، فهي قوله تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاْحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخصّ من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح؛ كما ترى.

وأمّا الآية الثانية، فهي قوله تعالى: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذمّ في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت