ذلك التعارض بين الأدلة القطعية وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك لوجهين:
(أحدهما) : أن سبب قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من سن سنة حسنة"حادثة القوم الحفاة العراة الذين لما رآهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب في الناس، وحث على الصدقة عليهم، فأبطأ الناس حتى كره ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم جاء رجل من الأنصار بصّرةٍ من مال فوضعها، ثم تتابع الناس فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"من سن سنة حسنة .."الحديث.
فدلت هذه القصة على السنة المقصودة في هذا الحديث وهي العمل بما ثبت كونه مشروعًا، والسنة التي سنّها الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ هي: مبادرته إلى الصدقة التي حضّ عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن هذا السبب لورود الحديث، يتبين أن المراد به عمل ما هو مشروع، وليس إحداث ما ليس مشروعًا، ثم تسميته سنة حسنة كما فهم المبتدع [1] .
2 -أن قوله ـ صلى الله عليه وسلم:"من سن سنة حسنة"لا يمكن حمله على الاختراع والأحداث والابتداء عن غير أصل مشروع معتبر، لأن كون العمل حسنًا أو سيئًا قبيحًا لا يُعرف إلا من جهة الشرع ...
نعم، يدرك العقل حسن الشيء وقبحه، فيما هو متعلق بالمدح والثواب والذم والعقاب، ولكنه لا يستلزم حكمًا في فعل العبد، بل يجعل الفعل صالحًا لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقلُ حسنَه، ولكن إدراك العقل حسن الشيء، لا يلزم منه حكمًا بالوجوب أو الاستحباب، بل الحكم من خطاب الشارع، فلو لم يرسل الله رسولًا، لم يكن هناك أمر ولا نهي ولا عقاب، ولا أدرك العقل مصلحةَ أو مفسدةَ الفعل، ومن هنا يقال: بأن حسن الشيء وقبحه وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، يأتي كل ذلك من قبل الشرع والعقل يدرك الحسن والقبح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو وسط في هذا الباب، بين المعتزلة الذين يقولون بأن الحسن والقبح عقلي لا يتوقف معرفته
(1) ويؤيده ما قاله الشيخ عبد القيوم السحيباني في"اللمع" (ص/17) : (أن معنى(( من سن ) )، أي من أحيا سنة كانت موجودة، فعدمت، فأحياها، وعلى هذا، فيكون"السن"إضافيًا نسبيًا لمن أحيا سنة بعد أن تركت، ويدل له حديث: (( من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة فعمل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من اْوزار من عمل بها شيئًا) .