الصفحة 154 من 273

هل يُحاسب الكافر على أعماله، أم يكفيه أنه يُحاسب على كفره، حول هذا الأمر تعددت آراء العلماء، فمنهم من يقول أنهم يُحاسبون على أعمالهم لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} (القارعة: 6 - 7) .

وهذا الحساب، إنما هو حساب تقريع وتوبيخ، لزيادة المذلة والمهانة، وإلا ما الفرق بين رجل كفرعون وشارون وهتلر، ملأوا الدنيا بظلمهم و جبروتهم، و أفسدوا في الأرض و ترتب على إفسادهم هلاك الحرث و النسل، وبين رجل كافر عادي بسيط، ما ظلم و لا قتل و لا أفسد، صحيح أنه ليس بعد الكفر ذنب، ولكن من عدل الله أن لا يتساوى مثل هذين الكافرين.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا، ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يُجزى بها" [1] .

أما القائلون بعدم سُؤال الكافرين عن أعمالهم، فقد استندوا على آيات من القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} (الرحمن: 39) ، وقوله تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (القصص: 78) .

والقول الذي أميل إليه وأرجحه و أقول به، هو القول الأول، لأن فيه زيادة تقريع وتوبيخ عليهم، ولزيادة حسرتهم، فإنه قد يكون في أعمالهم، أعمال حسنة وخيرة، لكنهم لا يستفيدون منها في الآخرة بحكم كونهم كافرين.

في هذا الحشر يسأل الله العباد عن الإله الذي كانوا يعبدونه، وعن إجابتهم دعوة الرسل والأنبياء، وعن أعمالهم، وعما أنعم الله عليهم من نعم.

(1) المصدر السابق: رقم (12177) ، ص 10/ 396 ... - حم 3/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت