والصحيح أن تلك الليلة تنتقل في ليالي العشر، فتكون مثلًا في سنة ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة سبع وعشرين وفي ثالثة ليلة تسع وعشرين، وقد تكون أول ليلة في العشر، وقد تكون آخر ليلة في العشر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حث الأمة على التماسها في جميع ليالي العشر، وما ورد في الأحاديث الشريفة بتحديدها في ليلة معينة، فالمراد من تلك السنة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إنها فيها بعينها؛ لأنه جاءت الأخبار عنها من طريق الوحي، والوحي انقطع بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الرابع: إجماع المسلمين ـ علمائهم وعامتهم مستندين إلى نصوص الكتاب والسنة ـ على فضل تلك الليالي وشأن العمل الصالح فيها، والأمة لا تجتمع إلا على الحق، فإنها معصومة من أن تجتمع على ضلالة، والخير كله في الاقتداء بالسلف الصالح واتباع سبيل المؤمنين، والشر كله في مشاقة الله ورسوله واتباع غير سبيل المؤمنين.
* والمقصود أنه ينبغي للمسلم الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان بأنواع الأعمال الصالحة؛ اغتنامًا لفضلها وطلبًا لبركتها والتماسًا لليلة القدر فيها، وأخذًا بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي مات وهو عليها، فيحيي سنة قيامها واعتكاف أيامها، وليكون ممن يحيون السنن ويسابقون إلى الخيرات وأسباب المغفرة والجنات، وليبرأ من حال أهل السآمة والكسل الذين ينشطون أول الشهر ويفرطون في موسم العشر.
نسأل الله تعالى أن يجيرنا من تلك الحال، وأن يلحقنا بالسلف الصالح فيما كانوا عليه من الهدى والدين، وأن يجمعنا بهم في منازل المقربين، آمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الاعتكاف: هو لزوم مسجدٍ ليلةً أو يومًا فأكثر، قطعًا للعلائق عن الخلائق لله اشتغالًا بعبادة الخالق، فهو لزوم المسجد للعبادة.