الصفحة 24 من 165

إذا خرجوا فارين، فأرسلوا إليهم الأمان" إذن ما دورهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي إلا الفزع الهلع وطلب الأمان ثم صاروا العين الحارسة لمصالح الإحتلال .. بل إن زعيمهم المعلم يعقوب حنا كان شغله الشاغل هو حرب زعيم المجاهدين في منطقة بولاق حسن بك الجداوي؟ لماذا؟ لأن حسن بك الجداوي كان يطلب من الأغنياء مساعدة المجاهدين لشراء أسلحة وبارود وذخائر ومؤن وكل مستلزمات المقاومة فكان من يدفع منهم مالًا كان لصيانة نفسه وخوفه من انتقام المقاومين الذين كانوا متترسين في منطقة بولاق بالقاهرة وضواحيها لذلك قال الجبرتي في عجائبه: "وأما المعلم يعقوب فإنه كرنك في داره بالدرب الواسع جهة الرويعي واستعد استعدادًا كبيرًا بالسلاح والعسكر المحاربين وتحصن بقلعته التي كان شيدها بعد الواقعة الأولى، فكان معظم حرب حسن بك الجداوي معه".

هكذا استعد المعلم يعقوب لزعيم المجاهدين المسلمين وليس لجيش الاحتلال الفرنسي! كما أننا نتساءل أين كان شباب الأقباط في ذلك الوقت ولماذا لم نر لهم دورًا في مقاومة المحتل الفرنسي ولو كان ضعفيًا؟!

النقطة الرابعة: لماذا شارك الأقباط في ثورة 1919 م؟

لا يهولننا بعض الكتابات التي تخرج بين فينة وأخرى مشيدة بدور الأقباط في الحركة الوطنية المصرية وإن كان كتابها من المسلمين؛ إذ للأسف الشديد فجل هؤلاء الكتاب ينطلق من منطلقات لا علاقة لها بالمنظومة الإسلامية لذلك نجدهم يرهقون أنفسهم في نبش التاريخ لعل وعسى يعثرون على حكاية أو قصة تثبت أن الأقباط كان لهم دور في مقاومة المحتلين، لذلك نجدهم يضخمون بعض الأحداث الفردية وتسليط الضوء عليها لتحسين دور الأقباط في حركة التاريخ المصري المقاوم للاحتلال .. لذلك يهتمون بثورة 1919 م ومشاركة الأقباط فيها رغم أن الأقباط ما شاركوا فيها إلا ليأسهم من الإنجليز الذين كانوا ينظرون إليهم بعين الإزدراء؛ فالاحتلال الإنجليزي يدين بالولاء للكنيسة الإنجيلية التي لا تعترف بها الكنيسة الأرثوذكسية في مصر ولا حتى الكاثوليكية في روما، وهذا ما حدث من قبل مع نابليون وحملته العدوانية على مصر إذ تقرب الأقباط إليه واستخدمهم جيدًا لكنه كان ينظر إليه أيضًا بعين الإزدراء فنابليون وإن كان لا دينيا فقد كانت لديه بقايا المعتقد الكاثوليكي مع الاعتزاز بتفوق الرجل الأبيض! فلا غرو إذن أن يشارك الأقباط في ثورة 1919 م لأنهم علموا بالتجهيزات التي يقوم بها المسلمون للثورة ويعلمون أن جماهير غفيرة من كل فئات الشعب ستشارك وأن انطلاقة الثورة ستكون من جامع الأزهر فكان لابد من المشاركة بأمر بعض زعمائهم (على طريقة حساب المكسب والخسارة) لأنه لو نجحت هذه الثورة لكان من حقهم أن يشاركوا في الحكم بقوة وهم مطمئنون أن الدولة المصرية الحديثة التي وضع لبناتها محمد علي باشا قد غيبت الشريعة الإسلامية ومن ثم فلا حكم إلا بالقانون الوضعي السائد في ذلك الوقت .. وينطبق هذا على مشاركتهم في بعض الحروب لأن التجنيد كان إجباريًا بحكم مفهوم المواطنة ولا مناص أمام شبابهم إلا الالتحاق بالجيش لتفادي العقوبة العسكرية التي ستحل بهم.

النقطة الخامسة: الحقبة العلمانية منذ (1272 هـ/1856 م ـ إلى وقتنا الحاضر) :كانت مصر تحكم بالشريعة الإسلامية منذ الفتح الإسلامي عام 20 هـ وكان أول قاض بمصر هو قيس بن أبي العاص السهمي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى وصل إلى سدة الحكم محمد علي باشا (ت 1849) الذي حمى النطفة الأولى للعلمانية التي استنسخها الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (ت 1873) ثم جاء خلفاؤه وتبنوا هذا السلخ الجديد (العلمانية) فأنشأوا المحاكم المختلطة سنة 1870 م وبعد احتلال الإنجليز مصر سنة 1882 أكملوا مشروعهم التخريبي في استبعاد الشريعة الإسلامية من الحكم واستمر الوضع هكذا حتى قام انقلاب يوليو 1952 م وتم القضاء على البقية الباقية من الحكم بالشريعة الإسلامية وتم الاستيلاء على أوقاف المسلمين فقط أما أوقاف النصارى فلم تمس!!

وفي عهد محمد علي باشا استورد لنا الشيخ رفاعة الطهطاوي مصطلح (المواطنة) حسب منطلقات المنظومة الغربية، وبموجب مفهوم هذا المصطلح الجديد حلت رابطة المواطنة محل رابطة الدين وصار الولاء للوطن مقدمًا على الولاء للدين .. ومن ثم فلا ضرورة لعقد الذمة وأخذ الجزية ولسنا بحاجة إلى اتفاقية بابليون الأولى والثانية حسب الوضع الجديد الذي تبنته الأسرة العلوية حيث تم استبعاد الشريعة الإسلامية رسميًا من الحكم وتم إنشاء محاكم تحكم بقوانين مترجمة من فرنسا وإنجلترا وإيطاليا ولم يعد للشريعة الإسلامية مجال للحكم إلا في ما يسمى بقوانين الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث.

لذلك لا عجب أن يصبح في عهد الخديوي إسماعيل أول مجلس نيابي بالمعنى الغربي، ونواب أقباط لأول مرة في تاريخ مصر: أصبح لهم نواب في المجالس النيابية (كان لهم نائبان من أصل خمس وسبعين عام 1869،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت