البعيد عن الفكرة الإسلامية يوحى بالصدود لبعض من يتقيدون بالماضي
دونَ نظرٍ إلى تبدل الحاضر، وكان ا لإمام الأكبر ميزانًا دقيقًا للحكم النزيه،
فقد وضع الكتاب موضعه الصحيج حين حكم بقوّة اسانيده، وصحّة
استنباطاته، إذ كان المؤلف في رأيه عامرَ القلب بما في الوحي المحمدي
من هدًى ونور، وبما في سيرة رسول اللّه بم! ي! من جمالٍ وعظمةٍ وعبرةٍ،
مطمئنًا كلَّ الاطمئنان إلى انّ هذا الدين المحمديَّ سينقذ البشر مما هو فيه
من الحيرة، وينتشلهم من ظلمة المادة، ويُبصِّر هم بنور ا لإيمان، ويوجِههم
إلى النور الإلهي، فيدركون به سَعة رحمته تعالى التي وسعت كل شيء،
وعظمة مجده الذي تسبّح له السماوات والأرض، وكلّ شيء فيهما،
وعزته التي تتضاءل امامها الموجودات، كما وفق الكاتب في تنسيق
الحوادث، وربط بعضها ببعض، فجاء كتابُه عِقدًا منضّدًا وسلسلةِ متينة
محكمة الحلقات.
وقد أبدع في بيان الأسباب والاغراض بيانًا قويًا واضحًا يجعل
القارئ مطمئنَّ النفس، رضيَّ القلب، ليستمتع بما يقرا، ويثلج صدره ببرد
اليقين، ويحثّه على متابعة القراءة، حتى يوفي على اَخر ما بيده من
البحث (1) .
ومقدمة الإمام الأكبر مثال يُحتذى، لأنّها لم تكن موافقة موافقةً
تامة لكلّ ما في الكتاب، بل سلكت مسلك النقد لما يخالف فيه الإمام
الأكبر صاحبَه، وهذا ما يجب أن تنهجه المقدمات العلمية في كلّ كتاب،
فقد وقف الشيخ المراغي عند قول المؤلف:"ولعلي اكونُ أدنى إلى الحقِّ"
إذا ذكرتُ بأني بدات هذا البحث في العربية على الطريقة الحديثة، وقد
(1) مقدمة حياة محمد للأستاذ المراغي، ص (ن، س) .