فكان الرجل معنا في غاية اللطف، وقال: إته يقدر هذا المعنى العائلي
الذي جمعنا على رأي واحد، ولكنّه ياسف لأن هذه الدائرة يرشح فيها
الوفد، ويفوز مرشحه في كلّ انتخاب، فمن العسير عليه أن يطلبَ إلى هذا
المرشح أن يتركَ الدائرة، وشعرتُ من حديثه أنّه لا جدوى من الإلحاح،
فتركتُ الأمر له، يختار لي الدائرة التي يشاؤها في القاهرة أو خارجها،
على ان يكونَ ا لرأي ا لذي يبد يه رأيه هو، فعليه تبعته، فابتسمَ ا لرجل، وقا ل:
أنا إذن أرشحك في دائرة (الجمالية) من دوائر القاهرة، وكان المرشح فيها
وفديًا من قبلُ، لهذا حسبت الترشيح جديًّا، وأيقنت أن سعد باشا سيصدر
أوامره للوفديتن بمساعدتي، ولكنّه لم يفعل. . . غضبتُ لما حدث، ولم
أقابل سعد باشا بعد ذلك قط"."
نعم لم يقابل هيكل سعدًا قط، لأنَّ القدر المحتوم قد وافاه بعد
أشهر لم تبلغ العام، وجزع هيكل للنبا الصاعق جزعًا غير مفتعل، لأنّه كزرَ
رِثاءه مرتين في أسبوع واحد، تكريرًا غيرَ مصنوع، فقد كان رئيسًا لتحرير
جريدة (السياسة) اليومية، كما كان رئيسًا لتحرير (السياسة) الأسبوعية
وقد صدر العدد التالي من (السياسة) اليومية شديد السواد، حدادًا على
وفاة زعيم الأمة، وقد تصدّرَ بكلمة حارة للدكتور هيكل تقف في لوعتها
الحزينة إلى جوار ما كتبته الصحف الوفدية بأقلام كتابها الكبار، وقد
كانت عاطفةُ هيكل أقوى من أن تحكم بضوابط التفكير المنهجي، فسالت
كلماته أسًى ضارعًا ولوعةً ذاتَ ئبرٍ حزينٍ، وقد افتتحها بقوله (1) :
"مات سعدُ! فيالَهول الموقف الرهيب! ايُّ رهبةٍ وأيُّ جزعٍ حبن"
تنظرُ أمةٌ، فإذا لسانُها الناطق صَمتَ، وإذا قلبُها الخافِقُ لم يعد يخفِقُ،
(1) السياسة اليومية 4 2 أغسطس - آب سنة 927 1 م.