وماذا أقول في عالِم يخاطبه الأستاذ محمود محمد شاكر في رسالة بعثها
إليه عام 1959 م، عندما كان ناصر الدين عميداَ لكلية الاَداب بالجامعة الليبية،
وكان الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله، قد تأخر في الرد على رسالة ناصر
الدين بسبب مرضه أولاَ، ولسبب اَخر، فيقول:
"اما حابسي الثاني عن الكتابة إليك، فأنت حابسي، قرأت رسالة تتدفق"
نفسُ كا تبها في نفسي، فرأتها وأقرأتها، وسمعتها تُقرأُ علينا جميعًا يوم ا لأحد في
درس كتاب (الكامل) للمبرد. لعلك لم تكن تتوقع وأنت تكتبها أن تنزل من
نفسي، وقلبي وفكري هذا المنزل، ولكنها حَملتك إليئَ طيفًا أثار كوامن نفسي
وأغراني بك، وجعلني أجد في كل جانب من نفسي شوقًا يهزّني إليك، وحنينًا
يغتال صبري عنك، فكان ذلك ناهيًا لي عن الإسراع إليك، لاني لا أطيق أكتب
وأنا في فورة الشعور إلأ في الشاذ النادر.
ولو شئتُ أن أضيف إلى هذا ما نحن مقزُون به إقرار الغريزة، وإقرار
الحجة، وإقرار العجز من هذ 5 اليعربية التي توارثتَها من سباسب الأردن، وقِفار
البلقاء، ويرابيع بُصرى، وحئات عفان، التي قُدرت من غيب القرون التي عجز
التاريخ عن تدوينها، والتي شقَت إلى الوجود غياهب الطلَماء، حتى ألقت في
ألسنة أسلافنا نحن - لا أنت - بصيصًا من أنوار الفصاحة، وقبَسًا من روائع
الإعجاز، لأضفتُ هذا غير ملوم، ولا مُعاتَب، ولا مماركح أيضًا. فلما انفجر
عليئَ فجرُ بيانِك، شُدِه القول على لساني، وخُرِقت المعاني في نفسي، أما القلم
فقد جف مِدادُه، وانطبقت فِلْقتا سِئه، وعجز هو الاَخر عن أن يعينني في هذ5
المحنة التي ضربت عليّ بالأسْداد. فأيُّ حابسٍ هو أعطم سطوةً وسلطانًا، وأبقى
قبضة د! امساكًا، من روعةٍ لا تطيقُها قوى الفصحاء، ولا تجدُ المهربَ منها بلاغة
البلغاء، فكفاني هذا وحده عذرًا يقطعني عنك كاتبًا، د! ان لم يقطعني ذاكرًا
لك" (1) ."
مي مظفر، سفر في المدى، ص 81 - 82.