وهكذا تهيأ المحاسني لدخول المرحلة الجامعية من دراسته، واختار
كلية الحقوق، فقد كان الكثيرون من أسرته من القضاة والمحامين، ففي الربع
الأول من القرن العشرين لمع من أسرة المحاسني الأصيلة العلأَمة محمد
المحاسني شيخ القضاة في دمشق، ثم نبغ ولده القاضي الكبير فؤاد المحاسني
والذي عمل محاميًا فيما بعد، وقد عرفته المحاكم العليا والقضايا الوطنية. وبرز
أيضًاالشيخ التقي محمد صالج المحاسني الذي كان عليمًا بدقائق الأحكام
الشرعية والإرثية والفتوى حافظًا للقرآن الكريم راويًا للشعر والتاريخ المعاصر.
ولما حصل المحاسني على الإجازة الجامعية من كلية الحقوق بدمشق،
وكان عمره يومذاك اثنتان وعشرون سنة، فوجئ بوفاة أمه ولم تتجاوز الخمسين
بكثير، وظل المحاسني وفيًا لذكرى هذه الأم الحنون التي توفيت قبل أن تذوق
من كسبه ما ينسيها مرارة الليالي التي سهرتها من أجله، وقد عبر المحاسني عن
تأثره بها فقال (1) :"عشت بعدها باكيًا عليها في شعري، وكانت حنونًا رؤومًا،"
ولن أستطيع أن أنساها حتى أموت، وإني لأحيا كل يوم ناظرًا إلى محياها
الباسم من وراء الغيوب"."
وقال من قصيدة بعنوان: (قطار الحياة) (2) ، ذاكرًا أمه:
فَدَيْتُكِ يا أمّي لو ان الردى يُفدى فبُدّلْتُ عيشًا كان لي عندَ 5 مفدى
أيُطوى بنا كز السنين ولم نكن لنلقاكِ إلا في الخيالِ الذي نَدَا
نروحُ إلى المنأى الشريدِ كراكبٍ قطارًا وفي الأسفارِ في العمرِ لم يهدا
فسار بنا والركبُ يهوي على المدى يطامِنُ أرضًا أو يغادرها جُرْدا
فراح هاتفي في الملا طيئ ريحه وطاحَ بيَ الدَّهرُ المبيدُ بما بَدَّا
فقلت لأحلامي: تعالي فبدّلي بوحدتيَ الان! الذي كان لي أجدى
لمحة من حياة المحاسنىِ بقلمه، في كتاب: تحية وذكرى، بمناسبة الذكرى
الأولى لوفاته، دمشق، 973 ام.
صفحات من مذكرات يتيم، الفصل ا لأول (غير مطبوعة) .