الصفحة 32 من 135

إلى أن بلغ الستين، وخرج متقاعدًا، واستمرت صحبتي له؟ نتزاور في

فصل الصيف الذي يجمع الغائبين عن دمشق.

ولقد أتاحت لي تلك الصحبة الطيبة أن أعرفه - رحمه الله - في فرحه

وحزنه، وفي حلمه وغضبه، وفي يسره وضيقه، ولم تكن واحدة من تلك

الحالات بقادرة على أن تسيطر عليه، أو تغير من سلوكه.

لقد رأيتُ فيه الرجل كل الرجل، أنفة وإباء، وكرهًا للمحاباة

والنفاق، وبغضًا واحتقارًا - لم يكن يخفيهما - لمن عرف فيه المواربة

والتلوي في خلق أو سلوك.

لم تفتنه يومًا سلطة قوي، ولم تأسره دنياه بمظهر أو منصب، لقد

كان كل هقه أن يقول الحق الذي يعتقد، وأن يكون إلى جانب الحق الذي

عرف، ولو أغضب ذلك منه الناس، وأبعد عنه الأصدقاء.

ورأيتُ فيه - رحمه الله - العالم الذي يقدّر العلم، ويبذل في سبيله

الوقت والمال إلى أمانة نادرة، وتواضع جم، ونزعة إنسانية لا يعرفها فيه

إلا المقرَّبون، فلم يكن يحمث أن يكون ذلك منه على الملأ.

ورأيتُ فيه المعلم الذي يضرِبُ لطلابه المثلَ الأعلى في الانضباط

والحرص على النظام، وتهيئة الدروس والمحاضرات، ودقة تصحيح

أوراق الطلاب، وعدالة الميزان في حساب الدرجات، وقول الكلمة

البليغة يصئها في الوقت المناسب على من يستحقها من الطلاب، ويمضي

متابعًا درسه؟ لا يضحك إن كانت مضحكة، ولا يغضب أو ينفعل حين

يقولها إن كانت تغضب او تلهب!.

لقد عقَم سعيد الأفغاني طلابه العلم والدأب في تحصيله، وعفَمهم

ححث الحق والجهر به، وكان قدوة صالحة لأجيال كثيرة ظلَ يعطيها نصف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت