وصحيح أن نقطة الاعتراض الجديرة بالتوقف هنا هي التي تطرح في صيغة سؤال عن السبب في طرح الموضوع للبحث والنقاش في ظرف كهذا يفرض فيه ذوو الهيمنة والنفوذ تربيتهم وثقافتهم الشاملة على الضعفاء والمسَتَلبين ؟ ألا يُخشى أن يُعّد ذلك مشايعّة - ولو غير مقصودة - في تعزيز ثقافة الهيمنة للاستعمار الثقافي المعاصر ؟
والحق أن هذه الورقة تنطلق من مسلمة مركبّة مفادها أنَّ هناك تغوّلًا يدفعه منطق غطرسة القوّة لدول الاستعمار الثقافي الحديث، غير أن ذلك التغوّل والطغيان لا ينفي وجود ذرائع ممنوحة له أحيانًا من قبل الضحية لسبب أو لآخر.
وإنّك حين تحرص على أن تمنح خصمَك العنيد مشروعية القضاء عليك مع اعترافك بامتلاكه بعض الحق في دعواه ترتكب خطأين كبيرين متلازمين: أحدهما: مخالفة توجيهات القرآن الكريم بالإنصاف من الذات ولزوم العدل مع الآخر مهما كانت الأسباب والدوافع:
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا" [ النساء: 135]
"ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة:8]
"ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا" [ المائدة:2]