وهذه التعارضات الباردة المستوخمة ما زالت إلى يومنا مستقرّة في المخيال الغربي ، تلقي بظلالها
ــــــــــــــــ
1 نفسه ، ص 357 .
على أدبيات الفكر وفنون القول ، وتسهم بحظ غير ضئيل في اصطناع عوائق حضارية ومعرفية بين
الذات والآخر ، وهنا أضطر إلى مخالفة الأستاذ الباحث أنطوان المقدسي الذي ذهب إلى أن هذه التعارضات المدرسية المصطنعة قد تغشاها النسيان ، ومحاها ذيل العفاء ، وعلّل موقفه بأن الحضارة التكنولوجية المبرمجة توحد بين البشر في أوجه كثيرة 1 ، وفي رأيه نظر ، لأن هذه التعارضات ما زالت إلى يوم الناس رافدًا لتشكيل صورة الإسلام في المرآة الغربية ، بل إن الإعلام الغربي ليس له من مادة يتقوّت عليها في تشويه معالم الإسلام ، واستعداء الناس عليه ، إلا اصطناع الهوة بين الشرق والغرب على أساس الاختلاف الديني والقيمي ، وإن بدا في أكثر الأحيان متسترًا بدثار الموضوعية، ومسوح العصرنة والتحديث . أما الحضارة التكنولوجية فهي رافد لتوحيد بعض الأنماط الاقتصادية والطرائق المعرفية ، وليست همزة وصل تمحو الجفاء بين نموذجين على طرفي نقيض في كل شيء كما يقول المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون .
وفي ظل هذه الروافد المتضافرة على صياغة موقف الغرب من الآخر / المسلم ، وتحت ضغط الإرث التاريخي وجدلية العلاقات المتوترة بين المعسكرين ، يصبح الحوار خيارًا مرجأً ، أو آلية معطّلة ، مع غنائه وأثره المحقَّق في التقريب بين الحضارات ، ولا شك أن للغرب يدًا طولى في هذا الإرجاء أو ذاك التعطيل ، وهذا ما نعنى ببيانه في الفقرات الآتية .
ـــــــــ
1 الصورة العربية عن الحضارة الأوروبية الغربية والاستجابة لهذه الصورة ( عرض تاريخي وتفسير ) لأنطوان المقدسي ، ص 108 .