أحدهما: حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين فقهاء الإسلام ومنزلتهم هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأئمة معاقد الدين ومعاقله وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس لم تشبها الآراء تغييرا ووردوا فيها عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين [1]
الثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خصوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب [2] .
والذي يهمنا من هذين القسمين هم الفقهاء الذين تصدوا للافتاء وميزوا للناس الحلال والحرام ولا يخلو زمان الا وفيه فقهاء يبينون للناس امور دينهم والمعتبر في الفقهاء الذين يتلقون الاحاديث ويعملون بها هم فقهاء الصحابة والتابعين لا غيرهم.
وقد كان بعض الصحابة يفتون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدروا للفتوى بعده صلى الله عليه وسلم.
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين: للامام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي (ابن القيم) ، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، الناشر: دار الجيل - بيروت، 1973هـ: 1/ 9.
(2) المصدر نفسه.