رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب! ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) " [1]
لقد تعلل المنافقون بأن ما فعلوه كان خوضًا ولعبًا فرد عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا استهزاء فقال لهم: "أبالله وآياته كنتم تستهزئون "
أي إن هذا الخوض وهذا اللعب هو استهزاء. [2]
فمعنى اللعب يقارب معنى الاستهزاء حيث يقول القرطبي"الهزء: السخرية و اللعب" [3] ؛ وذلك لأنهما لا يفيدان شيئًا، وإنما هما عبث لا فائدة فيه، ولا يحملان معنى الجد في طياتهما.
وأما معنى الخوض لغة فهو: المشي في الماء [4]
وهذه الكلمة (الخوض) تشعرنا بمعنى دقيق؛ ألا وهو: إن الخوض في أصله هو الدخول في الماء الكثير. والماء الكثير ساتر لما تحت القدمين، فالذي يخوض في الماء لا يرى ما تحت قدميه، فهو لا يدري إلى أي موقع تقع قدماه، وربما وقعتا في هوّة، أو ربما وقعتا على شئ جارح. ولكن الذي يسير على اليابسة، فالطريق واضحة أمامه، يضع قدمه حيث يرى أمانًا و استقرارًا وثباتًا، ومن هذا الباب أصبح الخوض وصفًا للكلام في الباطل [5] .
إذن؛ فالخوض كلام في الباطل، والاستهزاء بالدين كلام في الباطل، فالأمران كلام في الباطل، ومن هذا الباب قارب معنى الخوض معنى الاستهزاء.
(1) محمد بن جرير الطبري (ت310 هـ /923م) ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق محمود محمد شاكر، الجزء 14، دون ذكر الطبعة، دار المعارف، مصر، دون ذكر تاريخ النشر، ص ص 333 - 334.
وقد أخرج ابن جرير في المصدر ذاته عن المفسرين من التابعين حول هذه الحادثة آثارًا مرسلة
انظر المصدر ذاته، ص ص334 - 335.
(2) فلم يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما اعتذروا به بل أنزلهم منزلة المعترف بوقوع الاستهزاء.
انظر محمد بن محمد العمادي (ت 982 هـ /1574م) ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، وضع حواشيه: عبد اللطيف عبد الرحمن، الجزء 3، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان،1999 م، ص 166 ..
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء1، الطبعة 1، مصدر سابق، ص 200
(4) انظر الزاوي، ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، مرجع سابق، الجزء 2،ص 126.
(5) انظر محمد متولي الشعراوي، تفسير الشعراوي، الجزء 6، دون ذكر الطبعة، نشر أخبار اليوم، دون ذكر مكان النشر، دون ذكر تاريخ الطباعة، ص 3709.