الصفحة 18 من 195

لقد أرسل الله -سبحانه وتعالى- نوحًا - عليه السلام- إلى قومه حتى يخلصهم من الكفر الذي وقعوا فيه، ويدعوهم إلى عباد الله وحده، ولكن قومه كذبوه، ورموه بالضلال، وسخروا منه -وما زال هذا هو ديدن الكفار الذي دأبوا عليه حتى أصبحت قلوبهم يبابًا- فأمره الله - سبحانه وتعالى -بصنع السفينة. وعندما بدأ نوح - عليه السلام- بصنع السفينة بدأ الملأ من قومه يسخرون منه. والذي يراد من الوقوف عند معنى هذه الآية - في هذا المقام- هو - فقط - تسليط الضوء على عبارة (سخروا منه)

يقول الراغب الأصفهاني:"سخرت منه، واستسخرته للهزء منه، قال تعالى (قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) " [1]

إذن؛ فمعنى: سخروا منه، هو: استهزأوا به.

فقوم نوح - عليه السلام - يستهزئون بنوح؛ لأنه يصنع السفينة وينذرهم بأن الله سيغرق الكافرين. وماذا فعل - نوح عليه السلام - من أمر يسخر منه؟

ألأن نوحًا - عليه السلام- يعمل بالنجارة كي يصنع السفينة، والنجارة عمل - في قومه - منقصة في حق- صاحبه؟!

أو لأن نوحًا - عليه السلام - يبني سفينة في أرض ليس فيها بحر ولا بحيرة حتى تسير السفينة فوقها؟! [2] أو لأن نوحًا - عليه السلام- أخبر قومه بأنه يبني بيتا يمشي على ظهر الماء؟! [3] أو لأن نوحًا - عليه السلام- أخبر قومه بأنهم مغرقون بالطوفان فكان هذا سبب سخريتهم؟!

وعلى كل حال: فأن السبب الحقيقي، والباعث الرئيس على الاستهزاء- عند قوم نوح - هو الكفر.

(1) حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 402.

(2) انظر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ /1834م) ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الجزء 2، الطبعة 1، دار ابن كثير، دمشق، 1994 م، ص 564.

(3) انظر أحمد بن محمد الخفاجي (ت 1069 هـ / 1659م) ، عناية القاضي كفاية الراضي، ضبطه وخرج أحاديثه عبد الرزاق المهدي، الجزء 5، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997 م، ص 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت