أخرجهم الله ليكونوا نموذجا فذا للناس كافة، يعلمونهم مكارم الأخلاق، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [1] .
فكيف إذا كان الانحسار لم يكن في تغيير القاعدة، من قاعدة إنسانية شاملة إلى قاعدة قومية أنانية، بل كان أدهى وأخطر، إذ فقد المسلمون أخلاقياتهم في تعاملهم بعضهم مع بعض، فصاروا أسوأ حتى من الأمم الجاهلية التي لا تعرف مكارم الأخلاق إلا مصالح ومنافع وعصبيات؟!
وكم قدر الجريمة حين يكون الذين فسدت أخلاقهم على هذا النحو يحملون أسماء إسلامية، ويحملون شعار الإسلام؟! والله سبحانه وتعالى يقول:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [2] .
وقد كان هذا التحذير الشديد بشأن تخلفٍ واحدٍ وقع من بعض المسلمين، فيما يتعلق بالقتال .. فكيف حين يكون التخلف في كل شأن، ومن الكثرة الكاثرة من الناس؟! كم يكون المقت الرباني كبيرا؟ وكم تكون النتائج خطيرة؟
(3) التخلف الحضاري:
كيف تكون حضارة بغير جهد يبذل؟ بغير عزيمة توجّه؟ بغير قدرة على التنظيم والتخطيط والمتابعة والمثابرة ذات النفس الطويل؟
لقد كانت الحضارة الإسلامية حدثا فذا في التاريخ .. فقد سبقتها في الوجود حضارات جاهلية كثيرة، برعت في جوانب من الحياة وغفلت عن جوانب أخرى:
(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [3] .
والحضارة الإسلامية كانت فذة في شمولها لكل الجوانب في آن واحد، وتوازنها بين شتى الجوانب في آن واحد.
(1) سورة آل عمران [110] .
(2) سورة الصف [2 - 3] .
(3) سورة الروم [7] .