والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، فقد ثبت في الصحيح أن من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر في رمضان، حتي تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ومنهم من كان يمكث جُنُبًا مدة لا يصلي، ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم كأبي ذر وعمر بن الخطاب وعمار لما أجنب، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا منهم بالقضاء، ولا شك أن خَلْقًا من المسلمين بمكة والبوادي صاروا يصلون إلى بيت المقدس، حتي بلغهم النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة . ومثل هذا كثير .
وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور: أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور، أو فعل محظور بعد قيام الحجة . وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
المسالة السادسة:
التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (3/415-422) :
وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله؛ مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي، أو قرفندي؛ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي . والواجب على المسلم إذا سُئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله .