ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال الله تعالى: ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ آل عمران: 199 ] ، وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويروي هذا عن جابر وابن عباس وأنس . ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وقتادة . وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد بها واحد . وعن عطاء قال: نزلت في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، وكانوا على دين عيسي فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر هؤلاء من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، مثل: عبد الله بن سَلاَم، وغيره ممن كان يهوديا، وسلمان الفارسي، وغيره ممن كان نصرانيًا، إلا هؤلاء صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم: ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ) [ آل عمران: 199 ] ، ولا يقول أحد: إن اليهود والنصارى بعد إسلامهم وهجرتهم ودخولهم في جملة المسلمين المهاجرين المجاهدين يقال: إنهم من أهل الكتاب، أي: من جملتهم وقد آمنوا بالرسول، كما قال تعالى في المقتول خطأ: ( عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) إلى قوله: ( وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) [ النساء: 92 ] ، فهو من العدو ولكن هو كان قد آمن، وما أمكنه الهجرة، وإظهار الإيمان، والتزام شرائعه، فسماه مؤمنًا؛ لأنه فعل من الإيمان ما يقدر عليه . وهذا كما أنه قد كان بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم، وهم عاجزون عن الهجرة، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ