فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة. وهذا فصل الخطاب في هذا الباب. فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومُفْتٍ، وغير ذلك، إذا اجتهد واستدل فاتقي الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة ـ خلافًا للجهمية المجبرة ـ وهو مصيب، بمعني: أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب. وكذلك الكفار، من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقي الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام، فهذا مؤمن من أهل الجنة. كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ مع أهل مصر؛ فإنهم كانوا كفارًا، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام؛ فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا) [غافر: 34] . وكذلك النجاشي، هو وإن كان ملك النصاري، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم؛ ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلي فصفهم