ولهذ كان الصواب في الأصل الثاني قول من يقول: إن الله لا يعذب في الآخرة إلا من عصاه بِتَرْك المأمور، أو فعل المحظور . والمعتزلة في هذا وافقوا الجماعة، بخلاف الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم؛ فإنهم قالوا: بل يعذب من لا ذنب له، أو نحو ذلك . ثم هؤلاء يحتجون على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) [ الإسراء: 15 ] ، وهو حجة عليهم ـ أيضًا ـ في نفي العذاب مطلقًا إلا بعد إرسال الرسل، وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل . فأولئك يقولون: يعذب من لم يبعث إليه رسولًا؛ لأنه فعل القبائح العقلية . وهؤلاء يقولون: بل يعذب من لم يفعل قبيحًا ـ قط ـ كالأطفال . وهذا مخالف للكتاب والسنة والعقل ـ أيضًا ـ قال تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ، وقال تعالى عن أهل النار: ( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ) [ الملك: 8، 9 ] ، فقد أخبر ـ سبحانه وتعالى ـ بصيغة العموم أنه كلما ألقي فيها فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم نذير ؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير، فلم يَبْقَ فَوْجٌ يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير، فمن لم يأته نذير لم يدخل النار . وقال: ( ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) [ الأنعام: 131 ] أي: هذا بهذا السبب، فعلم أنه لا يعذب من كان غافلًا ما لم يأته نذير، ودل ـ أيضًا ـ على أن ذلك ظلم تنزه ـ سبحانه ـ عنه .