الصفحة 111 من 341

وأهل السنة لا يبتدعون قولًا، ولا يكفرون من اجتهد فأخطأ وإن كان مخالفًا لهم مستحلًا لدمائهم، كما لم تكفر الصحابة الخوارج، مع تكفيرهم لعثمان وعلى ومن والاهما، واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم .

وكلام هؤلاء المتكلمين في هذه المسائل بالتصويب والتخطئة، والتأثيم ونفيه، والتكفير ونفيه؛ لكونهم بنوا على القولين المتقدمين في قول القدرية، الذين يجعلون كل مستدل قادرًا على معرفة الحق فيعذب كل من لم يعرفه، وقول الجهمية الجبرية الذين يقولون: لا قدرة للعبد على شيء أصلًا، بل الله يعذب بمحض المشيئة، فيعذب من لم يعمل ذنبًا قط، ويُنعِّمُ من كفر وفسق، وقد وافقهم على ذلك كثير من المتأخرين .

وهؤلاء يقولون: يجوز أن يعذب الأطفال والمجانين، وإن لم يفعلوا ذنبًا قط، ثم منهم من يجزم بعذاب أطفال الكفار في الآخرة، ومنهم من يجوزه يقول: لا أدري ما يقع ؟ وهؤلاء يجوزون أن يغفر لأفسق أهل القبلة بلا سبب أصلًا، ويعذب الرجل الصالح على السيئة الصغيرة، وإن كانت له حسنات أمثال الجبال بلا سبب أصلًا، بل بمحض المشيئة .

وأصل الطائفتين أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، إلى آخر ما نقل ـ رحمه الله .

ثم قال: وبهذا يظهر القول الثالث في هذا الأصل، وهو أنه ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا أو فعل محظورًا، وهذا هو قول الفقهاء والأئمة، وهو القول المعروف عن سلف الأمة وقول جمهور المسلمين، وهذا القول يجمع الصواب من القولين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت