المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - صفية بنت حيي قبل القسم أم اشتراها من دحية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (وكان في السبي صفية بنت حيي، فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -) في رواية عبد العزيز، عن أنس (فجاء دحية، فقال: أعطني يا رسول الله جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية، فجاء رجل، فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خذ جارية من السبي غيرها، وعند ابن إسحاق(1) : أن صفية سبيت من حصن القموص، وهو حصن بني أبي الحقيق، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسبي معها بنت عمها، وعند غيره: بنت عم زوجها، فلما استرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - صفية من دحية أعطاه بنت عمها. قال السهيلي (2) : لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه أخذها من دحية قبل القسم، والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع، بل على سبيل النفل، قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عند مسلم (أن صفية وقعت في سهم دحية) وعنده أيضا فيه: (فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس) فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا: نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيه جارية، فأذن له أن يأخذ جارية، فأخذ صفية، فلما قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم: إنها بنت ملك من ملوكهم، ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية؛ لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض، فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك] (3)
قال القاضي عياض رحمه الله: [وقوله لدحية حين سأله جارية من السبي: (اذهب فخذ جارية) فأخذ صفية، وذكر استرجاع النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام:
(1) سيرة ابن هشام 2/ 336
(2) الروض الأنف 6/ 562
(3) فتح الباري 9/ 304