المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في نسل الممسوخ ففي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - نفي النسل للمسوخ، وفي حديث جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما: إثبات النسل للمسوخ.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قال ابن التين: إن الممسوخ لا ينسل. قلت: وهذا هو المعتمد؛ لما ثبت في صحيح مسلم (أن الممسوخ لا نسل له) وعنده من حديث ابن مسعود مرفوعا (إن الله لم يهلك قوما فيجعل لهم نسلا) وقد ذهب أبو إسحاق الزجاج (1) (2) وأبو بكر بن العربي (3) (4) إلى أن الموجود من القردة من نسل الممسوخ، وهو مذهب شاذ اعتمد من ذهب إليه على ما ثبت أيضا في صحيح مسلم (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتي بالضب قال: لعله من القرون التي مسخت) وقال في الفأر: (فقدت امة من بني إسرائيل لا أراها إلا الفأر) وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك قبل أن يوحى إليه بحقيقة الأمر في ذلك، ولذلك لم يأت الجزم عنه بشيء من ذلك بخلاف النفي، فإنه جزم به كما في حديث ابن مسعود، ولكن لا يلزم أن تكون القرود المذكورة من النسل، فيحتمل أن يكون الذين مسخوا لما صاروا على هيئة القردة مع بقاء أفهامهم، عاشرتهم القردة الأصلية للمشابهة في الشكل فتلقوا عنهم بعض
(1) هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري الزَّجَّاج البغدادي، قال الذهبي: نحوي زمانه، مصنف كتاب: معاني القرآن، وله تآليف جمة. وقال ابن خلكان: كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين. لزم المبرد، فكان يعطيه من عمل الزجاج كل يوم درهما، فنصحه وعلمه، ثم أدب القاسم بن عبيد الله الوزير، فكان سبب غناه، ثم كان من ندماء المعتضد، أخذ عنه العربية أبو علي الفارسي، وجماعة. مات سنة إحدى عشرة وثلاث مئة. ينظر: وفيات الأعيان 1/ 49، وسير أعلام النبلاء 14/ 360، وطبقات المفسرين للأدنروي 1/ 52
(2) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/ 387
(3) أحكام القرآن لابن العربي 2/ 332
(4) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، ابن العربي الأندلسي الاشبيلي المالكي، صاحب التصانيف. له كتاب عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وكتاب الأصناف في الفقه وكتاب في التفسير، وغير ذلك. واشتهر اسمه، وكان رئيسا محتشما، وافر الأموال بحيث أنشأ على إشبيلية سورا من ماله. وكان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل، كامل السؤدد، ولي قضاء إشبيلية، فحُمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة، فعزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه. مات سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ينظر: وفيات الأعيان 4/ 296، وسير أعلام النبلاء 20/ 197، وطبقات المفسرين للسيوطي 1/ 90