فإذا كنا قد أصبحنا غثاءا كغثاء السيل فهذا لا يمنعنا من النهوض والأخذ بالأسباب لوراثة الأرض بالحق والعد وإقامة خلافة على منهاج النبوة وهذا يتطلب منا إيجاد المسلم بمفهومه الحقيقي بحيث تتوافر فيه الصبغة الإلهية والثبات على الحق ومعاني العزة والمجاهدة والبصيرة والأوبة إلى الله وإدراك الغاية من الحياة وغير ذلك من المعاني التي تؤهل المسلم لأن يناطح السحاب تهتز الجبال ولا تهتز معاني اليقين في نفسه يصنع كما صنع ربعي بن عامر عندما دخل على رستم قائد الفرس فسأله: من بعثكم؟ فأجابه ربعي: «ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» . ولو استقامت الموازين لعلمنا أن القيادة بحق كانت لربعي المغمور لا لرستم المشهور فالقائد يجب أن يخلص عمله و ويتواضع لجنابه سبحانه. والتنازع على القيادة يفسد النوايا وتضيع به البلاد والعباد فالمركب تستقر في قعر المحيط إذا بويع لخليفتين وحسبك أن تطيع قائدك في غير معصية الله حتى وإن كنت أهلا للقيادة والإمارة فمن الجائز إمامة المفضول للفاضل والخلاف شر كله ولا تبالي إذا وضعوك في المؤخرة أو خفي حالك على الخلق فأنت ممن يتعامل مع الله. قيل عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك وكان من الصلاة والقوة في دين الله بمكان. والدال على الخير كفاعله ومن نفس المنطلق قد تجد مخايل النجابة وعلامات القيادة المبكرة في ولدك أو في غيره فتعاهده كقوله للصبيان: من يكون معي؟ وتعالوا: أكن أميركم ومن ذلك ما حكاه نضرا الهلالي قال: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظروا إلى صبي دخل المسجد فتهاونوا به لصغر سنه فقال سفيان: (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) [النساء: 94]