أبي ذرٍّ فحاله يقتضي أن يتفرد بنفسه أو يخالط الناسَ ويسلّم لكلّ أحدٍ حاله مما ليس بحرام في الشريعة. فخرج زاهدًا فاضلًا، وترك جلّة فضلاء.
وكلٌّ على خير وبركة وفضل، وحالُ أبي ذرٍّ أفضل، ولا تمكنُ لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا فسبحان مرتب المنازل.
وقال ابن العربي: ووقع بين أبي الدرداء ومعاوية كلام، وكان أبو الدرداء زاهدًا فاضلًا قاضيًا لهم (في الشام) فلما اشتدّ في الحقّ وأخرج طريقة عُمر بن الخطاب في القوم لم يحتملوها، عزلوه، فخرج إلى المدينة وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحدٍ من المسلمين بحال. وأبو الدرداء وأبو ذر بريئان من كلِّ عاب، وعثمان بريء أعظم براءَة، وأكثر نزاهة، فمن روى أنه نفي وروى سببًا فهو كلُّه باطل.
9 ـ ولم يقلْ أحد من الصحابة لأبي ذر إنه أخطأ في رأيه، لأنه مذهب محمود لمن يقدر عليه، ولم يأمر عثمان أبا ذر بالرجوع عن مذهبه، وإنما طلب منه أن يكفَّ عن الإنكار على الناس مل هم فيه من المتاع الحلال ... ومَنْ روى أن عثمان نهى أبا ذر عن الفتيا مطلقًا، لم تصل روايته إلى درجة الخبر الصحيح.
والذي صحَّ عند البخاري أن أبا ذر قال:"لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثم ظننتُ أني أُنْفذُ كلمةً سمعتها من النبيّ صلى الله عليه وسلم، قبل أن تجيزوا عليَّ، لأنفذتها". [رواه البخاري تعليقًا في باب"العلم قبل القول والعمل"من كتاب العلم] .
ويُفهم من رواية البخاري أن المنع كان في هذه المسألة المالية، أو في مسألة الزهد، لإجماع الصحابة على مخالفة أبي ذرّ في هذه المسألة. ولذلك لم ير البخاريُّ الخبر مطولًا كما رواه الدارمي في مسنده، وأبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي، حدثني مالك بن مرثد عن أبيه قال:"أتيتُ أبا ذر وهو…"