لكن جواب عُمر من كلام نصر، لا يناسب المقام: فلماذا يكون عُمَرُ مذنبًا إذا ترك رجلًا جميلًا في المدينة؟ ألم يكن في المدينة جميلٌ غيره؟ وهل يُعاب الرجلُ أن يكون جميل المحيّا؟ وما الفرق بين أن يكون الرجل وسيم في دار الهجرة أو في غيرها من أقاليم الإسلام؟ وإذا كانت الغانيات بتمنينه في المدينة، ألا يتمنينه في غير المدينة؟! .. وبَعْدُ: أقف عند هذا الحد من نقد القصة المدينيّة، مع الإشارة إلى أنه بقي فيها ما يُنقَدُ، ويدلُّ على أنها مخترعة، من وَضْع أهل القصص في القرن الثاني، ثم زاد عليها الأدباء في القرون التالية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
ولله درُّ خير الدين الزركلي، في أعلامه، فهو يتحرى زمن الولادة والوفاة لمن يترجم لهم حتى لو كانوا من أهل الجاهلية، ومع ذلك لم يستطع أن يحدد زمنًا لولادة أو وفاة نصر بن حجاج المزعوم، وترك مكان التاريخ شاغرًا، وكأنه يشير إلى غرابة صاحب القصة، وقربها من الخرافة.
(ب) قصة نصر بن حجاج البَصْرية:
ونقدها: وهذه أولًا: روايتها:
1 ـ الرواية الأولى: قالوا: إن نصرًا لما نزل البصرة أنزله مجاشع بن مسعود منزله من أجل قرابته، وأخدمه امرأته شُمَيْلة، وكانت أجمل امرأة بالبصرة، فعلقتْه وعلقها، وخفي على كلّ واحد منهما خبر الآخر، لملازمة مجاشع لضيفه، وكان مجاشعٌ أُميًّا، ونصر وشميلة كاتبين، فعيل صبرُ نَصْر فكتب على الأرض بحضرة مجاشع:"إنني أُحبك حُبًّا، لو كان فوقك لأطلك، أو تحتك لأقلّك"فوقّعت تحته غير محتشمة"وأنا كذلك".
فقال مجاشع لها: ما الذي كتب؟ فقالت كتب: كم تحلبُ ناقتُكم.
فقال: وما الذي كتبت؟ قالت: كتبتُ"وأنا"فقال مجاشع: ما هذا لهذا يطبْقٍ، فقالت:…