فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 259

يدلي بها للناس: إنه خير منها بما لا يقاس، وإنه جاء ليغيّرها لا ليقرّها، وليرفع البشرية عن وهدتها لا ليبارك تمرغها في هذا الوحل الذي يبدو في ثوب"الحضارة"..

فلا تبلغ بنا الهزيمة أن نتلمس للإسلام مشابهات في بعض الأنظمة القائمة، وفي بعض المذاهب القائمة، وفي بعض الأفكار القائمة. فنحن نرفض هذه الأنظمة في الشرق أو في الغرب سواء .. إننا نرفضها كلها لأنها منحطة ومتخلفة بالقياس إلى ما يريد الإسلام أن يبلغ بالبشرية إليه. وحين نخاطب الناس بهذه الحقيقة، ونقدم لهم القاعدة العقدية للتصور الإسلامي الشامل، يكون لديهم في أعماق فطرتهم ما يبرر الانتقال من تصور إلى تصور، ومن وضع إلى وضع. ولكننا لا نخاطبهم بحجة مقنعة حين نقول لهم: تعالوا من نظام قائم فعلًا إلى نظام آخر غير مطبق، لا يغير في نظامكم القائم إلا قليلًا. وحجته إليكم أنكم تفعلون في هذا الأمر وذاك مثلما يفعل هو، ولا يكلفكم إلا تغيير القليل من عاداتكم وأوضاعكم وشهواتكم، وسيبقى لكم كل ما تحرصون عليه منها ولا يمسه مسًا خفيفًا!!

هذا الذي يبدو سهلًا في ظاهره، ليس مغريًا في طبيعته، فضلًا على أنه ليس هو الحقيقة .. فالحقيقة أن الإسلام يبدل التصورات والمشاعر، كما يبدل النظم والأوضاع، كما يبدل الشرائع والقوانين تبديلًا أساسيًا لا يمت بصلة إلى قاعدة الحياة الجاهلية، التي تحياها البشرية .. ويكفي أنه ينقلهم جملة وتفصيلًا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} .. {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ..

والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام. وهذا ما ينبغي أن يكون واضحًا .. إن الناس ليسوا مسلمين - كما يدّعون - وهم يحيون حياة الجاهلية. وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك. ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئًا .. ليس هذا إسلامًا، وليس هؤلاء مسلمين. والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد.

ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجرًا. ولا نريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا. ولا نريد شيئًا خاصًا لأنفسنا إطلاقًا، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس. إنما نحن ندعو الناس إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت