الجرايات، وولى من كان أهلًا منهم للولايات، وكلما فتح الله عليه فتحًا وزاده ولاية أسقط عن رعيته قسطا وزادهم رعاية، حتى ارتفعت عنهم الظلامات والمكوس، واتضعت في جميع ولايته الغرامات والنحوس ودرّت على رعاياه الأرزاق ونفقت عندهم الأسواق، وحصل بينهم بيمنه الاتفاق، وزال ببركته العناد والشقاق .. إلى أن قال: فالله يحقن به الدماء ويسكن به الدهماء ويديم له النعماء ويبلغ مجده السماء ويرجى الصالحات على يديه، ويجعل منه واقية عليه، فقد ألقى أزمتنا إليه وأحصى علم حاجتنا إليه، ومناقبه خطيرة، وممادحه كثيرة، ذكرت منها غيضًا من فيض، وقليلًا من كثير، وقد مدحه جماعة من الشعراء فأكثروا، ولم يبلغوا وصف آلائه بل قصروا وهو قليل الابتهاج بالشعر، زيادة في تواضعه لعلو القدرة، فالله يديم على الرعية ظله وينشر فيهم رأفته وعدله، ويبلغه في دينه ودنياه مأموله، ويختم بالسعادة والتوفيق أعماله فهو بالإجابة جدير على ما يشاء قدير [1] .
إن ماذكرته من صفات للملك العادل نور الدين ثمرات زكية لإيمانه العميق على تحقيق ما عجز عنه غيره ممن كانت بلادهم وثرواتهم تزيد أضعافًا على ما كان عليه، فقد امتلأت نفسه بمبادئ الإسلام على نحو لا نكاد نجد له شبيهًا إلا عند الأوائل من أعلام صدر الإسلام وهذا الإيمان هو الذي حّوله من أمير إلى مجاهد ومن حاكم سياسي إلى زاهد، وهو الذي أعانه على مواجهة مشكلات عصره السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتغلب عليها رغم قلة الموارد ولم يعرف عنه تعصبًا وكانت نفسه سمحة اكتسبها من طبيعة الإسلام السمحة، إنه حارب الصليبيين على أنهم أجانب مغتصبين، لا على أنهم نصارى ومن هنا فإنه لم يمس النصارى الوطنيين بسوء وكان لهم عنده حق الرعاية الكاملة، فلم يهدم في حياته كنيسة، ولا آذى قسًا أو راهبًا على عكس الصليبيين الذين إذا دخلوا قرية قتلوا أهلها المسلمين جميعًا. وقد أكسبه إيمانه هذا احترام خصومه من الصليبيين فكانوا على عدواتهم له يحترمونه ويعترفون له بالامتياز عليهم، حتى أن المؤرخ وليم الصوري، الذي أفاض في كتاباته بالحقد على الإسلام والمسلمين، لم يستطع إلا أن يعترف بفضله وعدله وصدق إيمانه [2] .
(1) تاريخ دمشق الكبير (60/ 122، 123) .
(2) تاريخ الأعمال المنجزة فيما وراء البحار (2/ 742) .