الصفحة 72 من 207

فالصورة الأولى: هي أن يكون بعض المسلمين مقيمًا مع الكفار في دار الحرب، ثم يعين هؤلاء الكفرة في حربهم للمسلمين، وذكر من الإعانة أدنى أحوالها الخدمة والكتابة تنبيها على أعلاها وهي مشاركتهم بالقتال أو الرأي، فهذا كافرٌ خارجٌ عن ملة الإسلام.

والصورة الثانية: وهي أن يكون المسلم مقيمًا في دارهم تجري عليه أحكامهم كما تجري أحكام الإسلام على أهل الذمة، وهو مع ذلك قادرٌ على التخلص منهم بالهجرة واللحوق بدار الإسلام، غير أنه ليس معينًا للكفار ولا محاربًا للمسلمين، وإنما أقعدته الدنيا وشدته ثقلة الأرض، فهذا الذي قال عنه الإمام ابن حزم: ما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا.

فالذي فرق بين الصورتين في الحكم فجزم بكفر الأول ولم يجزم بكفر الثاني، إنما هو وجود إعانة الكفار ومظاهرتهم في محاربتهم للمسلمين في صورة الأول وانعدامها في الثاني والله تعالى أعلم.

وقال -رحمه الله-: [قالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ:فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ مُخْتَارًا مُحَارِبًا لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِهَذَا الْفِعْلِ مُرْتَدٌّ لَهُ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ كُلُّهَا: مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ، مَتَى قُدِرَ عَلَيْهِ، وَمِنْ إبَاحَةِ مَالِهِ، وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَبْرَأْ مِنْ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لِظُلْمٍ خَافَهُ، وَلَمْ يُحَارِبْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَعَانَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجِيرُهُ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ مُكْرَهٌ .. ] [1]

واللحوق بدار الكفر الذي ذكره ابن حزم ليس له تأثير مباشر في الحكم وإنما هو حكاية للصور المعهودة عندهم لوجود التمايز بين الدارين دار الإسلام ودار الكفر، وإنما مناط الحكم معلقٌ على حربه للمسلمين مختارًا، بل أشد منه من يبقى في ديار الإسلام وبين المسلمين ثم يمد أعداء الله الكفرة بالأخبار والأسرار مدًا، ويرصد لهم عوراتهم رصدًًا، ويرشدهم على مكامن الضعف وأبواب التسلط على المسلمين، فهو بذلك يقوم بما يعجز الكفرة عن القيام به بأنفسهم، وذلك لأن قتالهم العلني للمسلمين وغزوهم لديارهم يمكن أن تقوم به جيوشهم وحشودهم فإما أن يَغلبوا أو يُغلبوا، أما الخلوص إلى صفوف

(1) - المحلى بالآثار (12/ 125)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت