الصفحة 63 من 207

المفلحين، ويرد كل متشابه إليه ويعطفه عليه ولا يعكس فينعكس ويرتكس نسأل الله العافية.

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: [ييُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، أَيْ: بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتُ الدَّلَالَةِ، لَا الْتِبَاسَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ بَعْضِهِمْ، فَمَنْ رَدَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى الْوَاضِحِ مِنْهُ، وَحَكَّمَ مُحْكَمَهُ عَلَى مُتَشَابِهِهِ عِنْدَهُ، فَقَدِ اهْتَدَى. وَمَنْ عَكَسَ انْعَكَسَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أَيْ: أصله الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أَيْ: تَحْتَمِلُ دَلَالَتُهَا مُوَافَقَةَ الْمُحْكَمِ، وَقَدْ تَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَالتَّرْكِيبِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْمُرَادِ.] [1]

وقال العلامة السعدي -رحمه الله-: [ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد {فيتبعون ما تشابه منه} أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه {ابتغاء الفتنة} لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه] [2]

فمن هذه الأمور المحكمات الواضحات التي أكد حكمها في كتاب الله مرارًا هي أن تولي الكفار ومظاهرتهم على المسلمين كفرٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام وملحِقٌ لصاحبه بملة من تولاهم وظاهرهم، وإن زعم خلاف ذلك، بل وإن ادعى أنه يبغضهم ويعاديهم، فكتاب الله يكذبه، ويفضحه، والآيات في هذه المسألة واضحة جلية، وقد نقلت أعلاه شيئًا منها، وأقوال العلماء وفتاواهم صريحة بينة في التأكيد على ذلك، وهذا هو الذي يقتضيه العقل وتوافقه الفِطَر تعزيزًا لحكم الشرع، إذ كيف يمكن لأحد أن يرى إنسانًا يصاحب آخر، ثم هو يعين عليه عدوه، ويرشده إلى منافذ مضرته، ويدعمه بماله ليوصله إلى مواطن غرته، ثم يزعم بعدها

(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 6)

(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 122)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت