فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 410

ذَلِكَ ظُلْمًا لِلْخَلْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: ظُلْمًا لِلْبَائِعِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بَيْعَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ؛ وَظُلْمًا لِلْمُشْتَرِينَ مِنْهُمْ [1] .

وَالْوَاجِبُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ جَمِيعِ الظُّلْمِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُمْكِنَ مِنْهُ، فَالتَّسْعِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاجِبٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَحَقِيقَتُهُ: إلْزَامُهُمْ أَلَّا يَبِيعُوا أَوْ لَا يَشْتَرُوا إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ. وَهَذَا وَاجِبٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِحَقِّ: يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِحَقِّ فِي مَوَاضِعَ؛ مِثْلَ بَيْعِ الْمَالِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ [2] ، وَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَلَّا يَبِيعَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِحَقِّ وَيَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ؛ مِثْلَ الْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ وَمِثْلَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الَّذِي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ لَا بِأَكْثَرَ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ [3] . وَكَذَلِكَ السِّرَايَةُ فِي الْعِتْقِ [4] كَمَا

(1) - وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ أَلَّا يَبِيعَ الطَّعَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَصْنَافِ إلَّا نَاسٌ مَعْرُوفُونَ، فَلَا تُبَاعُ تِلْكَ السِّلَعُ إلَّا لَهُمْ، ثُمَّ يَبِيعُونَهَا هُمْ بِمَا يُرِيدُونَ، فَلَوْ بَاعَ غَيْرُهُمْ ذَلِكَ مُنِعَ وَعُوقِبَ، فَهَذَا مِنْ الْبَغْيِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ، وَالظُّلْمِ الَّذِي يُحْبَسُ بِهِ قَطْرُ السَّمَاءِ، وَهَؤُلَاءِ يَجِبُ التَّسْعِيرُ عَلَيْهِمْ، وَأَلَّا يَبِيعُوا إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يَشْتَرُوا إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، بِلَا تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ النَّوْعَ أَوْ يَشْتَرِيَهُ، فَلَوْ سَوَّغَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا بِمَا شَاءُوا أَوْ يَشْتَرُوا بِمَا شَاءُوا: كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لِلنَّاسِ: ظُلْمًا لِلْبَائِعِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بَيْعَ تِلْكَ السِّلَعِ، وَظُلْمًا لِلْمُشْتَرِينَ مِنْهُمْ.

فَالتَّسْعِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاجِبٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَحَقِيقَتُهُ: إلْزَامُهُمْ بِالْعَدْلِ، وَمَنْعُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَجُوزُ أَوْ يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، مِثْلُ بَيْعِ الْمَالِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ، وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، وَمِثْلُ الْبَيْعِ لِلْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامٍ أَوْ لِبَاسٍ، وَمِثْلُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَمِثْلُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ قَهْرًا، وَكَذَلِكَ السِّرَايَةُ فِي الْعِتْقِ، فَإِنَّهَا تُخْرِجُ الشِّقْصَ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ قَهْرًا، وَتُوجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهَا قَهْرًا، وَكُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالرَّقِيقِ وَالْمَرْكُوبِ - بِحَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ - فَمَتَى وَجَدَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَجَبَ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ، وَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يُبْذَلَ لَهُ مَجَّانًا، أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ.

وكذلك إيجار الحانوت على الطّريق أو في القرية بأجرة معيّنة، على ألاّ يبيع أحد غيره، نوع من أخذ أموال النّاس قهرًا وأكلها بالباطل، وهو حرام على المؤجّر والمستأجر.

انظر الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 430) وموسوعة الفقه الإسلامي - (ج 1 / ص 60) والمجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 30) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 333)

(2) - المبسوط - (ج 28 / ص 4) والمجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 30) وكشف الأسرار - (ج 9 / ص 168) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 333)

(3) - المجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 30) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 333)

(4) - 1 - السّراية في اللّغة: اسم للسّير في اللّيل، يقال: سريت باللّيل، وسريت اللّيل سريًّا إذا قطعته بالسّير، والاسم سراية.

وقد تستعمل في المعاني تشبيهًا لها بالأجسام، فيقال: سرى فيه السّمّ والخمر، ويقال في الإنسان: سرى فيه عرق السّوء.

ومن هذا القبيل قول الفقهاء: سرى الجرح من العضو إلى النّفس، أي دام ألمه حتّى حدث منه الموت، وقولهم: قطع كفّه فسرى إلى ساعده، أي تعدّى أثر الجرح إليه، كما يقال سرى التّحريم من الأصل إلى فروعه، وسرى العتق.

وفي الاصطلاح الفقهيّ السّراية هي: النّفوذ في المضاف إليه ثمّ التّعدّي إلى باقيه.

الحكم الإجماليّ

2 -يستعمل الفقهاء كلمة «سراية» في الموضوعات الآتية

أ - العتق.

ب - الجراحات.

ج - الطّلاق.

«سراية الجناية»

4 -سراية الجناية مضمونة بلا خلاف بين الفقهاء لأنّها أثر الجناية، والجناية مضمونة، وكذلك أثرها، ثمّ إن سرت إلى النّفس كأن يجرح شخصًا عمدًا فصار ذا فراش «أي ملازمًا لفراش المرض» حتّى يحدث الموت، أو سرت إلى ما لا يمكن مباشرته بالإتلاف، كأن يجني على عضو عمدًا فيذهب أحد المعاني: كالبصر، والسّمع ونحوهما، وجب القصاص بلا خلاف.

وإن سرت إلى ما يمكن مباشرته بالإتلاف بأن يقطع أصبعًا فسرت إلى الكفّ حتّى يسقط فقد اختلف الفقهاء في وجوب القصاص فيه.

فقال الشّافعيّة والصّاحبان وزفر والحسن بن زياد: يجب القصاص في الأصبع، ودية مغلّظة في الكفّ، وقالوا: إنّ ما يمكن مباشرته بالجناية لا يجب فيه القود بالسّراية.

وقال الحنابلة: يجب فيه القصاص، وقالوا: إنّ ما وجب فيه القود بالجناية وجب فيه أيضًا بالسّراية كالنّفس وضوء العين.

وقال أبو حنيفة فيمن قطع أصبعًا فشلّت إلى جنبها أخرى: لا قصاص في شيء من ذلك، عليه ديتهما.

وإن كانت الجراحة خطأً فسرت إلى شيء ممّا ذكر فلا يجب غير الدّية، والتّفصيل في «قصاص» .

«سراية القود»

5 -سراية القود غير مضمونة عند جمهور الفقهاء، فإذا قطع طرفًا يجب القود فيه فاستوفى منه المجنيّ عليه ثمّ مات الجاني بسراية الاستيفاء لم يلزم المستوفي شيء، وإلى هذا ذهب الشّافعيّة وأحمد وأبو يوسف ومحمّد، وروي عن أبي بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، وقالوا: لأنّه قطع مستحقّ مقدّر فلا تضمن سرايته كقطع السّارق، ولا يمكن التّقييد بسلامة العاقبة لما فيه سدّ باب استيفاء الحقّ بالقصاص، والاحتراز عن السّراية ليس في وسعه.

وقال أبو حنيفة: يضمن دية النّفس، لأنّه قتل بغير حقّ لأنّ حقّه في القطع وهو وقع قتلًا، ولو وقع هذا القطع ظلمًا في غير قصاص وسرى إلى النّفس، كان قتلًا موجبًا للقصاص، أو الدّية، ولأنّه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة، وهو مسمّى القتل إلاّ أنّ القصاص سقط للشّبهة فوجب المال.

والتّفصيل في «قصاص» .

والعبرة في الضّمان، ونوعه وقدره بوقت الجناية لا بوقت السّراية، فإن جرح مسلم حربيًّا أو مرتدًّا فأسلما ثمّ ماتا بالسّراية فلا ضمان، كعكسه، بأن جرح حربيّ مسلمًا فأسلم الحربيّ ثمّ مات المسلم، لأنّه جرح غير مضمون فسرايته غير مضمونة.

وإن جرح مسلم مسلمًا ثمّ ارتدّ المجروح فمات بالسّراية فلوليّه القصاص بالجرح، لا بالنّفس.

وإن تخلّل المهدر بين الجرح والموت بالسّراية كأن يجرح مسلم مسلمًا، ثمّ ارتدّ المجروح، ثمّ أسلم ومات بالسّراية فلا يجب القصاص لتخلّل حالة الإهدار بين الجناية، والموت بالسّراية وتجب الدّية لوقوع الجناية، والموت بالسّراية في حالة العصمة.

وإن جرح مسلم ذمّيًّا فأسلم ومات بالسّراية فلا قصاص عند من يرى عدم قتل المسلم بالذّمّيّ، لأنّه لم يقصد بجنايته من يكافئه، وتجب دية مسلم، لأنّه في الابتداء مضمون وفي الانتهاء حرّ مسلم.

والقاعدة في هذا الباب هي

أ - أنّ كلّ جرح غير مضمون لا ينقلب مضمونًا بتغيّر الحال في الانتهاء.

ب - وكلّ جرح مضمون في الحالين فالعبرة في قدر الضّمان بالانتهاء.

ج - وكلّ جرح مضمون لا ينقلب غير مضمون بتغيّر الحال.

وانظر الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 8597) وطرح التثريب - (ج 1 / ص 41) والمجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 30) والمنثور في القواعد - (ج 2 / ص 149) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 333) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت