= وهذا ما ذهب إليه المالكيّة وأبو يوسف من الحنفيّة.
الثّالث: أنّه لا احتكار إلاّ في القوت والثّياب خاصّةً.
وهذا قول لمحمّد بن الحسن.
واستدلّ الجمهور - أصحاب الاتّجاه الأوّل - بأنّ الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها عامّ، كالحديث الّذي رواه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيّب عن معمر بن عبد اللّه، أنّه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ» ،وفي رواية أخرى رواها مسلم وأحمد: «لا يحتكر إلاّ خاطئ» ،وحديث أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم: «من احتكر حكرةً يريد أن يغلّي بها على المسلمين فهو خاطئ»
وزاد الحاكم: «وقد برئت منه ذمّة اللّه» .
فهذه نصوص عامّة في كلّ محتكر.
وقد وردت نصوص أخرى خاصّة، منها حديث ابن ماجه بسنده: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس» .
وما رواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزّار وأبو يعلى بلفظ: «من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه»
وزاد الحاكم.
«وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة اللّه» .
وإذا اجتمعت نصوص عامّة وأخرى خاصّة في مسألة واحدة حمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيّد، واستدلّ المالكيّة وأبو يوسف بالأحاديث العامّة، وقالوا: إنّ ما ورد من النّصوص الخاصّة فهي من قبيل اللّقب، واللّقب لا مفهوم له.
وأمّا ما ذهب إليه محمّد بن الحسن في قوله الثّاني فإنّه حمل الثّياب على القوت باعتبار أنّ كلًّا منهما من الحاجات الضّروريّة.
«ما يتحقّق به الاحتكار»
8 -يتحقّق الاحتكار في صور بعضها متّفق على تحريمه وهي ما إذا اجتمع فيه كون الشّيء المحتكر طعامًا وأن يحوزه بطريق الشّراء وأن يقصد الإغلاء على النّاس وأن يترتّب على ذلك الإضرار والتّضييق عليهم، وهناك صور مختلف في تحريمها بحسب الشّروط.
«شروط الاحتكار»
9 -يشترط في الاحتكار ما يأتي:
1 -أن يكون تملّكه للسّلعة بطريق الشّراء.
وهذا ما ذهب إليه الجمهور، وذهب بعض المالكيّة، وهو منقول عن أبي يوسف من الحنفيّة، إلى أنّ العبرة إنّما هي باحتباس السّلع بحيث يضرّ بالعامّة، سواء أكان تملّكها بطريق الشّراء، أو الجلب، أو كان ادّخارًا لأكثر من حاجته ومن يعول.
وعلى ما ذهب إليه الجمهور لا احتكار فيما جلب مطلقًا، وهو ما كان من سوق غير سوق المدينة، أو من السّوق الّذي اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه.
ويرى كلّ من صاحب الاختيار وصاحب البدائع أنّه إذا كان من سوق اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه، فاشتراه قاصدًا حبسه، يكون محتكرًا ويتفرّع على اشتراط الشّراء لتحقّق الاحتكار أنّ حبس غلّة الأرض المزروعة لا يكون احتكارًا.
وهذا هو رأي الجمهور.
وهناك من علماء المالكيّة من اعتبر حبس هذه الغلّة من قبيل الاحتكار.
ومن علماء الحنفيّة من يرى - أيضًا - أنّ هذا رأي لأبي يوسف.
وقد نقل الرّهونيّ عن الباجيّ أنّ ابن رشد قال: «إذا وقعت الشّدّة أمر أهل الطّعام بإخراجه مطلقًا، ولو كان جالبًا له، أو كان من زراعته» .
والمعتمد ما أفاده ابن رشد.
2 -أن يكون الشّراء وقت الغلاء للتّجارة انتظارًا لزيادة الغلاء.
وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة.
فلو اشترى في وقت الرّخص، وحبسه لوقت الغلاء، فلا يكون احتكارًا عندهم. =