= - أ - فإن كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا، فقبضه بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذّرع.
وذلك: لحديث عثمان رضي الله عنه قال: «كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود، يقال لهم: بنو قينقاع، وأبيعه بربح، فبلغ ذلك النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا عثمان إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل» .
وحديث جابر رضي الله عنه، قال: «نهى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاع البائع، وصاع المشتري» .
والمالكيّة شرطوا في قبض المثليّ تسليمه للمشتري، وتفريغه في أوعيته.
-ب - وإن كان جزافًا فقبضه نقله، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كانوا يتبايعون الطّعام جزافًا بأعلى السّوق، فنهاهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتّى ينقلوه» وفي رواية: «حتّى يحوّلوه» .
-ج - وإن كان منقولًا من عروض وأنعام، فقبضه بالعرف الجاري بين النّاس كما يقول المالكيّة: كاحتياز الثّوب، وتسليم مقود الدّابّة.
أو ينقله إلى حيّز لا يختصّ به البائع، عند الشّافعيّة.
ويروى هذا عن أبي يوسف، كالشّارع ودار المشتري.
وفصّل الحنابلة في المنقول من العروض والأنعام فقالوا: إن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد.
وإن كان ثيابًا فقبضها نقلها.
وإن كان حيوانًا، فقبضه تمشيته من مكانه.
-د - وإن كان عقارًا فقبضه بالتّخلية بينه وبين المشتري، بلا حائل دونه، وتمكينه من التّصرّف فيه، بتسليمه المفتاح إن وجد، بشرط أن يفرّغه من متاع غير المشتري عند الشّافعيّة.
ولم يشترط ذلك المالكيّة إلاّ في دار السّكنى، فإنّ قبضها بالإخلاء عندهم، ولا يكتفى بالتّخلية.
أمّا غيرها من العقارات، فيتحقّق القبض بالتّخلية، وإن لم يخل البائع متاعه منها.
ويشير الشّافعيّة إلى أنّ هذا التّفصيل إنّما هو في القبض المصحّح للتّصرّف، أمّا القبض النّاقل للضّمان من البائع، فمداره على استيلاء المشتري على المبيع، سواء أنقله أم لا، وسواء أخلّى البائع بينه وبينه أم لا، وسواء أأذن له في القبض أم لا، وسواء أكان له الحقّ في الحبس أم لا، فمتى استولى المشتري على المبيع انتفى الضّمان عن البائع، بمعنى أنّه لو تلف حينئذ لا ينفسخ العقد، أو تعيّب لا يثبت الخيار للمشتري، ولو رجع إلى البائع لا يرجع الضّمان إليه.
11 -ولم يفصّل الحنفيّة - وهي رواية ابن الخطّاب عن أحمد - هذا التّفصيل في القبض، بل اعتبروا التّخلية - وهي: رفع الموانع والتّمكين من القبض - قبضًا حكمًا على ظاهر الرّواية، وروى أبو الخطّاب مثل ذلك عن أحمد وشرط مع التّخلية التّمييز.
نصّ الحنفيّة على مذهبهم هذا في الرّهن، في التّخلية بينه وبين المرتهن، وقالوا: إنّ التّخلية فيه قبض، كما هي في البيع، فإنّها فيه أيضًا قبض.
قالوا: لأنّها تسليم، فمن ضرورته الحكم بالقبض، فيترتّب عليه ما يترتّب على القبض الحقيقيّ، وهذا هو الأصحّ.
ومقابل الأصحّ: المرويّ عن أبي يوسف، وهو: أنّه لا يثبت في المنقول إلاّ بالنّقل.
12 -وعلى هذا لو باع ما اشتراه قبل أن يقبضه فربح، فهذا هو ربح ما لم يضمن، الّذي ورد فيه حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - «لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» .
وفسّره محمّد بن الحسن في كتاب الآثار لمّا روى هذا الحديث من طريق آخر برواية أخرى، فقال: وأمّا ربح ما لم يضمن: فالرّجل يشتري الشّيء، فيبيعه قبل أن يقبضه.
وكذلك فسّره الشّوكانيّ، حيث قال: يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها، مثل: أن يشتري متاعًا، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل، وربحه لا يجوز، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل، وليس في ضمان المشتري منه، لعدم القبض.
وكذلك فعل البهوتيّ، حيث قال: والمراد به ربح ما بيع قبل القبض.
وهذا الحديث وإن كان عامًا، غير أنّ الإمام أحمد - رحمه الله - خصّه بالطّعام، في رواية الأثرم عنه، قال: سألت أبا عبد اللّه، عن قوله: «نهى عن ربح ما لم يضمن» ،قال هذا في الطّعام، وما أشبهه من مأكول أو مشروب، فلا يبيعه حتّى يقبضه.
وقال ابن عبد البرّ: الأصحّ عن أحمد بن حنبل، أنّ الّذي يمنع من بيعه قبل قبضه: هو الطّعام.
بيع الصّدقة والهبة قبل القبض
13 -الصّدقة هي: تمليك المال في الحياة من يحتاجه بغير عوض، تقرّبًا إلى اللّه تعالى، وجوبًا أو ندبًا. =