فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 410

= وقد ذهب الفقهاء مذاهب في بيع المبيع قبل قبضه.

2 -فمذهب الشّافعيّة، وهو قول أبي يوسف الأوّل، وقول محمّد، وهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد: أنّه لا يصحّ بيع المبيع قبل قبضه، سواء أكان منقولًا أم عقارًا، وإن أذن البائع، وقبض الثّمن.

وذلك لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه «قال: قلت: يا رسول اللّه: إنّي أشتري بيوعًا، فما يحلّ لي منها، وما يحرم عليّ؟ قال: إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتّى تقبضه» وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» .

ومعنى «ربح ما لم يضمن» ربح ما بيع قبل القبض.

مثل: أن يشتري متاعًا، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل، وربحه لا يجوز، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل، وليس في ضمان المشتري منه، لعدم القبض.

ولحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، «أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم» .

والمراد بحوز التّجّار: وجود القبض، كما في الحديث قبله.

ولضعف الملك قبل القبض، لانفساخ العقد بتلفه.

وهذا هو المعنى الّذي علّل به الشّافعيّة النّهي عن البيع قبل القبض.

وعلّل الحنابلة، عدم الجواز على هذه الرّواية الّتي اختارها ابن عقيل من أئمّتهم، بأنّه لم يتمّ الملك عليه، فلم يجز بيعه، كما لو كان غير متعيّن، وكما لو كان مكيلًا أو موزونًا.

3 -ومذهب الحنفيّة أنّه لا يصحّ بيع المنقول قبل قبضه، ولو كان من بائعه، وذلك للحديث المذكور برواياته، فإنّه منهيّ عن بيع المبيع قبل قبضه.

ولأنّ في البيع قبل القبض غرر انفساخ العقد الأوّل، على تقدير هلاك المبيع في يد البائع، وإذا هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد، فيتبيّن أنّه باع ما لا يملك، والغرر حرام غير جائز، لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» .

ولا يفرّق الحنفيّة في ذلك بين الطّعام وبين غيره من المنقولات، وذلك: لقول ابن عبّاس كما تقدّم آنفًا: ولا أحسب كلّ شيء إلاّ مثله، أي مثل الطّعام.

وعضّد قول ابن عبّاس ما روي عن ابن عمر، قال: «ابتعت زيتًا في السّوق، فلمّا استوجبته، لقيني رجل، فأعطاني فيه ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده ' أي أن أقبل إيجابه، وأتّفق على العقد ' فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفتّ، فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتّى تحوزه إلى رحلك، فإنّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم» .

وعدم الصّحّة هنا، يعني: الفساد لا البطلان، وإن كان نفي الصّحّة يحتملهما، لكنّ الظّاهر عند الحنفيّة هو الفساد، لأنّ علّة الفساد هي الغرر، مع وجود ركني البيع، وكثيرًا ما يطلق الباطل على الفاسد.

وأجاز الشّيخان من الحنفيّة - أبو حنيفة وأبو يوسف - بيع العقار قبل قبضه استحسانًا، وذلك استدلالًا بعمومات حلّ البيع من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.

ولأنّه لا يتوهّم انفساخ العقد في العقار بالهلاك، بخلاف المنقول.

ولأنّ العقار مقدور التّسليم، ولا يرد عليه الهلاك إلاّ نادرًا بغلبة الماء والرّمل، والنّادر لا يعتدّ به.

وقياسًا على التّصرّف في الثّمن قبل قبضه، فإنّه جائز، لأنّه لا غرر فيه، كالتّصرّف في المهر وبدل الخلع والعتق وبدل الصّلح عن دم العمد، لأنّ المطلق للتّصرّف، وهو الملك، قد وجد، لكنّ الاحتراز عن الغرر واجب ما أمكن، وذلك فيما يتصوّر فيه الغرر، وهو المبيع المنقول، لا العقار.

وخالف الإمام محمّد، فلم يجز بيع العقار أيضًا قبل قبضه، وهو قول أبي يوسف الأوّل، وقول الشّافعيّ كما قدّمنا، وذلك لإطلاق الحديث، وقياسًا على المنقول.

وقياسًا أيضًا على الإجارة، فإنّها في العقار لا تجوز قبل القبض، والجامع اشتمالهما على ربح ما لم يضمن، فإنّ المقصود في البيع الرّبح، وربح ما لم يضمن منهيّ عنه شرعًا.

والنّهي يقتضي الفساد، فيكون البيع فاسدًا قبل القبض، لأنّه لم يدخل في ضمانه، كما في الإجارة. =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت