تجهيز جيش أسامة - رضي الله عنه - يوم السبت قبل موت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة - رضي الله عنه - فقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش» [1] وطعن بعض الناس في إمارة أسامة - رضي الله عنه - فرد عليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده» . [2]
ومرض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين واشتد وجعه عليه الصلاة والسلام فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكرًا بالجرف [3] ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [4] ، وتغيرت الأحوال مع انتقال الرسول الكريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى رحمة ربه، وصارت كما تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة -رضي الله عنها- بقولها: لما قبض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارتدت العرب قاطبة واشرأب [5] النفاق. والله قد نزل بي [6] ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها [7] ، وصار أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كأنهم معزي [8] مطيرة في حش [9] في ليلة مطيرة بأرض مسبعة. [10] [11]
ولما تولى الخلافة الصديق أمَّر - رضي الله عنه - رجلًا في اليوم الثالث من مُتَوَفَّى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينادي في الناس: ليتم بعث أسامة - رضي الله عنه -، ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة - رضي الله عنه - إلا خرج إلى عسكره بالجرف [12] ، ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم وإني لا أدري لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطيق، إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات،
(1) فتح الباري: 8/ 152.
(2) البخاري كتاب المغازي رقم: 4469.
(3) الْجُرْف: بالضم ثم السكون، موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
(4) السيرة النبوية الصحيحة: 2/ 552، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: 685.
(5) اشرأب: ارتفع وعلا. انظر: النهاية في غريب الحديث: 2/ 455.
(6) نزل «بي» : وفي تاريخ خليفة بن خياط: نزل بأبي: 102.
(7) لهاضها: كسرها. النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/ 288.
(8) معزي: المعز من الغنم خلاف الضأن، وهو اسم جنس.
(9) حش: بستان.
(10) مسبعة: أرض ذات سباع.
(11) البداية والنهاية: 6/ 309.
(12) نفس المصدر السابق: 6/ 307.