الصفحة 41 من 90

قوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا} وتبقى لفظ يوعظون على ظاهره {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} أي يحصل لهم خير الدارين، فلا يكون أفعل تفضيل [1] ، ويحتمل أن يكونه، لكان أنفع لهم من غيره، وأشدّ تثبيتًا لأنه حق، فهو أبقى وأثبت أو لأن الطاعة تدعوا إلى أمثالها، أو لأن الإنسان يطلب أوّلًا تحصيل الخير، فإذا حصله طلب بقاءه).

وقال الزمخشري [2] :"ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} في عاجلهم وآجلهم {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} وأبعد من الاضطراب فيه".

وتأمل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 65 - 66] فقد جعل سبحانه الإيمان به وإقامة أحكام كتبه والوقوف عند حدودها والإيمان بسائر ما أنزل عليهم من كتب الله تعالى سببًا لحصول الآجل من مصالح الآخرة أوّلًا من تكفير السيئات ودخول الجنّات ورضوان ربّ الأرض والسماوات، ولحصول ما يرجونه من المصالح العاجلة في الدّنيا من سعة الرزق وحسن العيش.

وروى ابن جرير [3] عن ابن عباس في قوله {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} : يعني لأرسل السماء عليهم مدرارًا {وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} : تخرج الأرض من بركتها، ونحوه عن قتادة ومجاهد والسدّي.

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 94] .

فانظر -يرحمك الله- إلى هذا الميزان الربّاني الدقيق: كيف رتب تعالى على الإيمان به سبحانه فتح البركات، فتحصيل هذه المصلحة العظمى سبب في حصول ما سواها من مصالح الدنيا، كما أن التكذيب به والكفر بدينه وهو أعظم المفاسد على الإطلاق، سبب في حصول الخوف والجوع والإهلاك بالعذاب، قلت، ولما

(1) أي لا يكون قوله خيرًا في الآية بمعنى أخْيَر.

(2) الكشّاف 1/ 519.

(3) تفسير الطبري 4/ 6/305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت