وكل هذا الذي ذكرناه متفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله) وعلى هذا الهدي النبوي الكريم، والنهج الرباني القويم، سار أئمة الهدى ومصابيح الدجى من سلف هذه الأمة في التصدّي لكل صاحب فتنة أراد النيل من هذا الدين العظيم، وأعني هديه في الذبّ عن توحيد الله تعالى أولًا الذي هو أعظم مصالح الدين على الإطلاق، وهو أصل كل خير وسعادة، وإذا فات فلا اعتبار لشيء من المصالح البتّة، بل حين ذلك يصير بطن الأرض والله خير من ظهرها، ومخالطة الوحش والطير خير من معاشرة بني الإنسان، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، واعلم أن هذا الأصل الذي ذكرته مع وضوحه وجلائه وكثرة ما سقت عليه من الأدلّة فيما سبق وسواها مما لم أذكره كثير، إلا أن أقوامًا قد أهملوه وضيّعوه وقدّموا عليه ما ظنوا تحقيقه من المصالح بزعمهم كما سأبيّنه بعد قليل إن شاء الله تعالى، فخالفوا بذلك دعوة الأنبياء والرسل وطريقة سلف هذه الأمة رحمهم الله تعالى الذين أوذوا في سبيل تحقيق مصلحة التوحيد بدعوة الناس إليه وبيانه لهم ورد أقوال أهل البدع والأهواء والضلالات فيه، وكثير من هذه الفرق لم يردوا التوحيد وإنما أدخلوا فيه ما ليس منه، وفسّروه بتفسيرات مخترعة مبتدعة لا يدلّ عليها كتاب ولا سنة ولا وجه وجوه اللغة، وتسموا مع ذلك بأسماء يروجوه بها لضلالاتهم كما سمى المعتزلة أنفسهم"أهل العدل والتوحيد"وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات عن الله تعالى، لاعتقادهم أن اثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، وهذه الفرقة مع الفرق الثلاث الأخرى وهم الجهمية والخوارج والرافضة، وهم أصول الفرق الضالة ورؤوس البدعة كما قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه (الفَرْقُ بين الفرق) ومن بعده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، أتوا في دين الله تعالى بطامات وفضائح فاجرة كافرة ما أنزل الله بها من سلطان، حتى نقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبد الله بن المبارك:
ولا أقول بقول الجهم إن له ... قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا
وكان ابن المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي قول جهم [1] ، وجهم هذا هو جهم بن صفوان مقدم الطائفة الجهمية التي زعمت أنه لا قدرة للعبد أصلًا وقالت كما ذكر الإمام ابن
(1) الفتح 13/ 345.