الصفحة 3 من 34

من رحمة الله تعالى بالأمة أن نوَّع أفهام علمائها، وفاوت بين مداركهم، ففهم هذا من النص ما لم يفهم ذاك، وصحح هذا شيئًا لم يصححه ذاك، وكان خلافهم في الجملة رحمة، ودلالة على سعة هذه الشريعة، وكمال هذه الطريقة، وأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه الدين الحق بين الأديان، فمهما اختلف العلماء فهم يرجعون إلى أصل واحد ويستمسكون بعروة وثيقة. وعلى هذا مضى الصدر الأول رضي الله عنهم في المسائل الفقهية والخلافات الفرعية المذهبية، فقد اختلفوا ولكن لم يتركوا الوئام، وتنوعت أفهامهم وفتاواهم وما تفرقت منهم القلوب وما مسهم من الخلاف سقام، وكان كلٌ من كبارهم يمثل اتجاهًا في الاستنباط والتفكير تحوَّل فيما بعد إلى مدرسة لها أتباع وتنظير، فابن عباس له اتجاه، وابن عمر له مسلك آخر، وابن مسعود له طريق ثالثة، وغيرهم رضي الله عنهم سلك مسالك أخرى، ولم يعب واحد منهم الآخر، ورضي كلٌ بما قسم له من الفهم والاستنباط، وهذا هو المسلك الحميد والرأي السديد، وكان خلافهم لنا توسعة، وبنا ورحمة، وعلينا بركة كما قال القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله وهو أحد فقهاء المدينة السبعة:"اختلاف الصحابة رحمة" [1] ، ثم ما برح الخلاف يفقد آدابه، ويتنكب الطرق السليمة حتى صار علينا عيبًا، وبنا شينًا، وأصبح مؤديًا للافتراق، جالبًا للبغضاء، محركًا لإحن الصدور، ذاهبًا بألباب ذوي العقول، ولا أدري والله ماذا أقول.

وللتاريخ البعيد والقريب شواهد على ما تردى إليه أمر الخلاف المذهبي ومآسي كثيرة مسطورة، وأفعال مكتوبة منكورة، لم نراع فيها الخلاف، ولم نرتق فيها إلى مرتبة الأخوة التي عبر عنها الشافعي الإمام بقولة رائعة، فعن يونس الصدفي ــ وهو أحد أئمة المصريين وعقلائهم ــ قال:

(1) نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء: 2/579، والسير من تأليف الحافظ الذهبي، رحمه الله تعالى. والنزهة لواضع هذا البحث، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت