نماذج تاريخية ومعاصرة
من مآسي الافتراق
د. محمد حسن عقيل موسى الشريف
أستاذ الدراسات الإسلامية
جامعة الملك عبد العزيز ــ جدة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن قضية الافتراق قضية مزعجة مؤرقة، مؤلمة مقلقة، وذلك لأنها تفصم العروة الوثقى، وتهدم الآمال العظمى، وتبعد النصر، وتزيد القهر، والافتراق مرض مهلك، ومسلك مربك، نهى عنه الشارع في الكتاب الكريم والسنة الشريفة المطهرة المكملة للتنزيل، والتاريخ شاهد على ذلك وبإيضاحه كفيل، وقد كثرت الكتابات التي تتحدث عن الافتراق ومحاذيره، ومشكلاته وعواقبه، وقد ذكر علماء المسلمين من القواعد الضابطة، والإشارات الهادية، للتخلص من هذه المشكلات وتجاوز تلك العقبات وضبط هذه المسالة ما يملأ رَف مكتبة! لكن أين المستجيب؟
لذلك سأسلك في هذه الرسالة مسلكًا آخر عمليًا؛ وهو أن أذكر الوقائع التاريخية المعاصرة التي ابتلينا فيها بالافتراق، وترتب على ذلك مآسٍ محزنة، فلعل سوق تلك الأحداث يُوقظ الضمائر، ويهز المشاعر،ويلهب النفوس، ويشد العزائم حتى نخرج من هذا التيه، ونفارق هذا الطريق المعوج.
وأوردت بعض ما وقفت عليه من هذه الوقائع مرتبًا مهذبًا، واستثنيت ما جرى بين الصحابة، وما وقع لتلك العصابة رضي الله عنها وأرضاها؛ وذلك لأن الكف عما شجر بينها من أصول الدين، والسكوت عما حصل منهم في الفتنة من الكمال المتين، وهذا من طريقة السلف الكرام ألا يخوضوا فيما حدث بين أولئك العظام، أما من دونهم فقد ذكرت لهم وقائع وأحداثًا، وطرائق وأفعالًا تبيِّن شؤم الافتراق، وتنفِّر من تبعات نتائجه، لعله أن يهتدي بها أولو الألباب، ويرتدع بها سالكو هذه المسالك الصعاب.
هذا وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث وذيلت بخاتمة فيها النتائج والتوصيات، والمباحث هي:
المبحث الأول: المآسي المترتبة على الخلاف المذهبي الفقهي.