إذا رأى من نفسه ميلًا ومحبة طبيعية للكافر بسبب هديته أو إحسانه أو صلته فإنه ينبغي عليه ورعًا في هذه الحال واستحبابًا قطع أسباب هذه المودة ولو أدى ذلك إلى رد الهدية وعدم قبولها والامتناع من الزيارة وهجرهم هجرًا جميلًا , والأدلة على ما ذهبنا إليه أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر , بل هذا هو ظاهر ما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب.
القسم الثاني: المحبة الطبيعية للكافر المُعيَن غير المحارب الذي يعسر التحرز من مودته لأي سبب شرعي.
هذه المحبة الظاهر أن حكمها جائز وهي من قبيل الرخصة ولكن هذه المحبة جائزة بشرط ألا تُقدم على محبة الله ورسوله وألا تحمل على ترك واجب أو فعل محرم علمًا بأن المسلم لو أبغض هذا الكافر في الله فلا تثريب عليه بشرط ألا يحمل هذا البغض على ظلم هذا الكافر أو تضييع حقوقه ويجب أن يُلاحظ أن هذه المحبة يجب أن تبقى في حدودها الدنيوية، فلا يُبالغ بها، وهكذا كثير من المباحات لها حدود وضوابط، من لم يضبطها تعرض للوقوع في المحرم وفشل بعض الناس عن الضبط لا يحول الشيء المراد ضبطه محرمًا , والدليل على جواز هذه المحبة
ما يلي:
الدليل الأول: مودة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، دل عليه حرصه وإلحاحه عليه بالإسلام , كما دل عليه شفاعته له في تخفيف العذاب عنه , فلولا المحبة والمودة لقرابته، ونصرته، لما كان هذا منه، فإنه لم يفعل ذلك مع غيره. وقد قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في شأن عمه أبي طالب الكافر (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) أي من أحببته لقرابته على أحد التفسيرين للآية وهو الأظهر, وقال الإمام سليمان بن عبد الله - رحمه الله - في كتابه تيسير العزيز الحميد, وقد ثبت في الصحيحين أنها أنزلت في أبي طالب، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في حقه، ويحبه حبًا طبعيًا لا حبًا شرعيًا ا. هـ وبنحوه قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في كتابه القول المفيد: ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذه المحبة الشرعية ا. هـ. بل قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تعليقه على تفسير الجلالين ما يلي: (وقوله"إنك لا تهدي من أحببت"المؤلف قدره بقوله:"هدايته". من أحببت هدايته , والصواب من أحببته , إنك لا تهدي من أحببته.
لماذا عدل المؤلف إلى: أحببت هدايته؟ قال: لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يُحب أبا طالب وهو كافر. .كيف؟ فإن المؤمن لا يحب الكافرين ولكننا نقول الحب الطبيعي هذا لا يُنافي الإيمان , الإنسان يحب مثلًا قريبه ولو كان كافرًا لكنها محبة طبيعية كما تُحب الأم ولدها؛ نعم المحبة الدينية هذه لا تجوز بين المؤمن والكافر (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أيضًا المؤلف يقول: من أحببت هدايته. في الحقيقة لو أننا حملناها على ما قال المؤلف لكانت هذه تعم كل الناس لأن الرسول يحب أن يهدي كل الناس وليس فقط عمه أبا طالب، لكان من