الصفحة 388 من 399

"وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهًا"وهذا فيه إشارة إلى أنَّ إثبات الصفات على الوجه الذي يليق بالله لا يستلزم التشبيه، كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1، فأثبت لنفسه سبحانه السمع والبصر بعد نفيه للمثلية، فدلَّ ذلك على أنَّ إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه.

ومما ينبه عليه في هذا المقام أنَّ كلَّ من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكلَّ من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كلُّ معطل ممثل، وكلُّ ممثل معطل.

فالمعطل مثَّل مرتين: مرة قبل تعطيله؛ لأنَّه لم يعطل إلا لتشبيه قام في نفسه، ومرة بعد تعطيله؛ لأنَّ تعطيله جره إلى تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيله.

والممثل عطَّل ثلاث مرات؛ لأنَّه عطل الرب تبارك وتعالى عن صفة كماله، وعطل الآيات التي أثبتت هذه الصفات، وعطل الآيات التي فيها نفي التمثيل كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، فهو برئ ـ كما يعبر ابن القيم ـ من فرث التعطيل ومن دم التمثيل 2. وشأن السني كاللبن الذي يخرج من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين. قال ابن القيم:""فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين"3."

1 الآية 11 من سورة الشورى.

2 انظر: بدائع الفوائد"1/173"

3 الصواعق المرسلة"2/426"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت