وإن الموفَّق من عباد الله هو الذي كلما جدَّد له ربه نعمة، أحدث لها عبودية ومحبة وخضوعًا وذُلًا، وكلما أحدث له قبضًا، أحدث له رضىً، وكلما أحدث ذنبًا، أحدث له توبةً وانكسارًا واعتذارًا [1] .
ومن فضل الله تعالى ورحمته بعباده أن أوجب عليهم هذه العبادات، من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وبر بالوالدين ... إلخ، أوجبها عليهم بإزاء هذه النعم، ورضي بها شكرًا لسوابغ نعمه بفضله وكرمه. وإن كان لا يمكن لأحد استيفاء هذا الفضل العظيم. لكن من أدى هذه العبادات على الوجه المطلوب فهو من الشاكرين لله تعالى. لأن القيام بهذه العبادات وغيرها مما هو داخل تحت معنى العبادة دليل على صلاح العبد وشكره للمعبود.
والداعي لكتابة هذه الرسالة ما رأيت ورآه غيري من نعم الله العظيمة. وتقصيرنا في شكرها. ولا سيما الشكر العملي الذي أخل به كثيرون، وإننا لنخاف من عقوبة الله تعالى وأخذه لنا على غرة، فإن سنة الله ماضية، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، فلا نأمن أن يكون واقعنا سببًا في زوال نعم الله تعالى علينا، من نعمة الإيمان، ونعمة المال، والأرزاق بزوال بعضها أو كلها، وزوال نعم الأمن، ونعمة العافية في الأبدان وحلول الأمراض، أو تكون العقوبة بتسليط الأعداء علينا، أو قيام حروب تأكل الأخضر واليابس، وتكون سبب فتنة، نسأل الله السلامة، فرحم الله امرأً تأمل في نعم الله تعالى. واستعظم ما أعطاه الله. فقام بوظيفة الشكر. ولم يألُ في ذلك جهدًا، لعل الله أن يعفو عنا ويَحْلُمَ علينا.
وقد جعلت هذا الموضوع في عدة فصول:
الفصل الأول: في معنى الشكر والحمد والفرق بينهما.
الفصل الثاني: في حقيقة النعمة وشيءٍ من مباحثها.
الفصل الثالث: في أهمية الشكر ومنزلته، وفيه تكلمت على أوجه ورود الشكر في القرآن.
الفصل الرابع: كيف نكون من الشاكرين، وفيه الكلام على شكر القلب واللسان والجوارح.
(1) انظر: الفوائد لابن القيم (ص 48 ترتيبه)