كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل نفسه عمدًا - وذلك كفر - أو سهوًا، وهو معصوم من هذا كله" [1] ."
وثمة سؤال يطرح نفسه: إذا بطلت قصة الغرانيق وظهر خطأ المعنى الذي تداوله المفسرون فما معنى الآية التي في سورة الحج {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج: 52) ؟.
وفي الإجابة نقول: إن معنى الآية يدور على فهم معنى قوله تعالى: {إذا تمنى} ، وقد ذكر جمهور المفسرين أنه بمعنى (قرأ) أو (تلا) ، وهذا التأول للتمني بمعنى التلاوة جائز من الناحية اللغوية، ويتساوق مع روايات الغرانيق الضعيفة التي أوردوها في كتبهم، وقد يشهد له قوله: {ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ} .
لكن المعنى الذي اختاره جماعة من المحققين أن قوله: {إِذَا تَمَنَّى} على ظاهره، من الأمنية كما ذهب إليه الفراء والكسائي وغيرهما [2] .
قال الرازي بعد أن ذكر ارتباط معنى التمني بالتلاوة بسبب روايات الغرانيق الباطلة:"وأما إذا فسرناها [أي قوله: {إِذَا تَمَنَّى} ] بالخاطر وتمني القلب؛ فالمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور؛ يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي؛ ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته" [3] .
(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (3/ 444) .
(2) انظر: فتح القدير، الشوكاني (3/ 660) .
(3) التفسير الكبير، الرازي (23/ 52) .