جميعًا شأن الجهاد وقد قال اللَّه تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) .
وهذه الآية لم يفصل بينها وبين الآيات التي معنا إلا آيةً واحدة ليست منها بل هي منفصلة.
أَوَليس بعض الصحابة قد هموا بالإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الجهاد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى نُهوا أن يُلقوا بأيديهم إلى التهلكة؟
ثم أليس من الخطأ التسويةُ بين مجاهد يبذل نفسه ومهجته وماله لِلَّهِ لا يدري هل يرجع من ذلك بشيء، وبين مقيم بين أهله يعمر ويسقي لا يخاف شيئًا من ذلك؟
أما حجته الثالثة: فقال إن سياق الآيات في المشركين.
والجواب: أن سياق الآيات كلها في المؤمنين باستثناء قوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) ، فكيف يقال إن السياق في المشركين.
ثم إن سورة التوبة من آخر القرآن نزولًا في المدينة فكيف اختلفوا مع المسلمين؟ وأين كان هذا؟
وأيضًا فإن الله قال: (أَجَعَلْتُمْ) فهل يعهد في القرآن أن يخاطب اللَّه المشركين على هذا النحو لأن الأمر حسبما ذكره المفسرون أن المشركين هم الذين افتخروا بالسقاية والعمارة، والمؤمنين بالإيمان والجهاد، فمقتضى هذا أن يتوجه الخطاب للمشركين.
ثم هل للمشركين قدر أو قيمة يستحقون بها العناية الإلهية ببيان الفاضل من المفضول لهم؟
وأيضًا قول الله - عَزَّ وَجَلَّ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) ، ألا يدل أفعل التفضيل على وجود مفضل ومفضل عليه، فالمفضل المؤمن المجاهد، والمفضل عليه المؤمن الذي يعمر ويسقي، ولو كان المفضل عليه مشركًا لم يكن فيه أدنى فضل.