وصار أصحاب معاوية في الفلاة ، لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين ، كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا بالايدي فلا حاجه لك إلى الحرب ، فقال: لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك .
فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام ! .
وأما الجهاد في سبيل الله: فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له ! وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي نصفهم ، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر .
وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه ، لانه من المعلومات الضرورية ، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما .
* * * وأما الفصاحة: فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيد البلغاء ، وفي (1) كلامه قيل: دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين .
ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع ، ففاضت ثم فاضت .
وقال ابن نباتة (2) : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبى طالب .
ولما قال محفن بن أبى محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس ، قال له: ويحك !
(1) ب:"وعن كلامه".
(2) هو عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن إسماعيل الفارقي الجذامي .