لما ظهر أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة .
وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذى ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الالفاظ في الماهية ، وكالقران العزيز ، أوله كوسطه ، وأوسطه كاخره ، وكل سورة منه ، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الايات والسور .
ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا ، وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بالبرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام .
واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به ، لانا متى فتحنا هذا الباب ، وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نتق بضحة كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا وساغ لطاعن أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول ، وهذا كلام مصنوع ، وكذا ما نقل عن أبى بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والاداب وغير ذلك وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله والائمة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسلين والخطباء - فلناصرى أمير المؤمنين عليه السلام أن يستعدوا إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره ، وهذا واضح" (1) "
(1) ابن أبى الحديد 2: 546 طبعة الحلبي (*)