الصفحة 16 من 87

إن ربانية أحمد وهي قوة صلته بربه ـ تعالى ـ ونسبته إليه، ولصوقه بجنابه ـ عز وجل ـ حتى ما كان يعرف إلا به ـ تعالى ـ فمبلغ القول فيها: إنها كانت ربانية قائمة على التوحيد الخالص، والعلم اليقين الكامل، والزهد إلا فيما عند الله، والفقر إلا إلى الله، ولتجلي هذه الربانية القوية نورد طرفًا من موجز كلامه وآخر من مظاهر كماله فنقول: لما حمل أحمد من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم أتوه بسويق ليفطر من الضعف الذي أصابه فامتنع واستمر في صومه، وحين حضرت الصلاة صلى معهم فقيل له: صليت في دمك، فقال: صلى عمر وجرحه ينضب دمًا، ولما أقيم ليضرب بالسياط انقطعت تكة سراويله فخشي أن تنكشف عورته فحرك شفتيه بالدعاء، فعادت سراويله كما كانت، وما حرك به شفتيه هو قوله: يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة.

وقيل له يومًا: ادع الله ـ تعالى ـ لنا، فقال: اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائمًا وسكت، فقيل له: زدنا، فقال: اللهمَّ إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا فقالتا أتينا طائعين، اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر لنا فنطغى، ولا تُقِلَّ علينا فنسيء، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغًا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك.

وقال صالح ولده: كان أبي لا يدع أحدًا يسقي له الماء ليتوضأ، فرمى بالدلو فخرج ملآن فقال: الحمد لله، فقلت له: يا أبت، ما الفائدة بذلك؟ فقال: يا بني، أما سمعت قول الله ـ تعالى ـ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } [ سورة الملك الآية 30 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت