ففي نهاية حياته، ولما حضرته الوفاة وقَرُبَ موتُه، وكان ذلك في حكم السلطان بيبرس الذي كان يحب العزّ ابن عبد السلام، حتى إنه لما مات قال: لا إله إلا الله ما اتفق موت الشيخ إلا في زمني -أي: هذا ليس بخير أن يموت الشيخ في زمني-، فجاء السلطان بيبرس إلى العزِّ في مرض موته وطلب منه أن يعيّن أحد أولاده في منصبه، وكان للعز أكثر من ولد، من أشهرهم: عبد اللطيف طالب علم ومترجم له (1) ، فقال له العز: ما فيهم من يصلح.
فالمسألة ليست مجاملات ولا أمور تتم بهذه الطريقة، أولادي ما فيهم من يصلح، إنما أعين فلانًا، وجاء برجل بعيد أجنبي وقال: إنه هو الذي يصلح وهو الجدير بمثل هذه المناصب.
وهكذا ضرب العز مثالًا للتجرد عن المصالح الشخصية ورغبات النفس، وأكّد على ضرورة ابتغاء وجه الله تعالى، ورعاية صالح الأمة في كل وقت وحين، حتى على فراش الموت، ولعلّ هذا من علامات الثبات عند الممات، فرحمة الله على هذا الإمام الجليل.
خاتمة
وأخيرًا، فإنني ما قَصَدْتُ من عرض سيرة العز ابن.عبد.السلام المتعة فقط، ولا الرواية التاريخية، وإنما قصدت أمرًا آخر وهو أن الأمة إذا ندر الرجال في واقعها دائمًا تلتفت إلى الماضي؛ لتبحث عن هؤلاء الرجال.
وهذه الأمة ما عقمت ولن تعقم أرحام النساء أن تخرج لنا رجالًا من أمثال العز.بن.عبد.السلام وغيره؛ بل مَنْ هم أفضل منه بإذن الله تعالى.
(1) و عبد اللطيف بن عبد العزيز بن عبد السلام الفقيه، ولد سنة (628) هـ، فطلب الحديث بنفسه وقصد الشيوخ، وتفقّه على والده، وتميَّز في الفقه والأصول، وكان يعرف تصانيف والده معرفة حسنة. توفي - رحمه الله - بالقاهرة في شهر ربيع الآخر سنة (695) هـ. انظرترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/312) ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/182، 183) .