وفيها، توفي الأمير شرف الدين علي بن الأمير جمال الدين قشتمر، امه ايران خاتون ابنة أبي طاهر ملك المر، كان قد مرض وشفي وركب وخلع على الطبيب، فلما نزل، عرض له ألم في فؤاده واعقال طبع، فمات وكان شابًا جميلًا كريمًا شجاعًا، قد أمر وأضيف إليه عدة من المماليك ورفع وراءه سيفان وتوفر اقطاعه، فاخترمته المنية في عنفوان شبابه، ودفن عند والدته بمشهد الحسين عليه السلام، واستدعي جمال الدين قشتمر إلى دار الوزارة، ومعه ولده مظفر الدين محمد وولده شرف الدين علي المتوفي، وهو فخر الدين مغدي فخلع على مظفر الدين وجعل أميرًا على مائة فارس وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة، وخلع على فخر الدين مغدي وجعل أميراٍ على عدة خمسين فارسًا، وعمره يومئذ خمس سنين، ثم خلع على الأمير جمال الدين قشتمر، كل ذلك جبرًا لقلبه، من فجعته بولده.
وفيها، توفي الملك الاشرف أبو الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب دمشق، ملك بعد وفاة أبيه ديار الجزيرة وميا فارقين وخلاط، واستقر ملكه بها، ثم ملك سنجار صلحا، وقصد بلاد الموصل وسار يريد أربل، فراسله الخليفة الناصر لدين الله بالرجوع عنها والصلح، فأجاب إلى ذلك على أن يخطب له ويضرب الدينار باسمه، فأجاب مظفر الدين كوكبري إلى ذلك، فلما عاد إلى حران، راسل الخليفة يسأل تشريفه بالفتوة فنفذ إليه من فتاه بطريق الوكالة، وكان عنده أدب وفضل مع ظرافة ولطافة وكرم فائض، وكان متعففًا عن أموال الرعية منعكفًا على ملاذة، مشتهرًا بحب الغلمان الأتراك والميل إليهم، مستهترًا بهم وله فيهم أشعار كثيرة، ليست بالجيدة: فما قاله في غلام تركي كان على خزانته:
أفدي قمرًا تحار فيه الصفة ... يسخو بدمي وهو أمين ثقة
ماذا عجب بحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت
وكانت وفاته بدمشق في المحرم، وقد جاوز الستين سنة من عمره واستولى أخوه الملك الصالح اسماعيل على دمشق بعده.
وفيها، توفي ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد الله من أعيان المتصرفين خدم أولًا خواجة الأمير علاء الدين تتامش، ثم تولى عرض ديوان الجيش ثم عين عليه في وزارة بلاد خوزستان، ثم عزل واعتقل هناك في سنة ست وعشرين، فكان على ذلك إلى أن توفي الخليفة الناصر لدين الله فأفرج عنه ووصل إلي بغداد فولي صدرية ديوان عرض الجيش ثم نقل إلى صدرية ديوان أربل فكان بها، ثم سأل أن يعفى من الخدمة بها فأعفي، ثم أعيد إلى بلاد خوزستان فكان بها إلى أن مات.
وفيها، توفي المللك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب مصر والشام، وكان فاضلًا أديبًا متفقها وسمع الحديث ورواه وكان معظمًا لأهل العلم محبًا لهم يحضرهم مجلسه في كل اسبوع ويبحثون عنده ويتناظرون ويتكلم معهم، ويشركهم في بحثهم ويلزم معهم أدب المناظرة ويخاطبهم أحسن خطاب، وله شعر جيد، منه: ما كتبه إلى أخيه الاشراف حيث كان على دمياط:
يامسعفي أن كنت حقًا مسعفي ... فأرحل بغير تفند وتوقف
واطو المنازل والديار ولا تنخ ... إلا على باب المليك الاشرف
قبل يديه لا عدمت وقل له ... عني بحسن تعطف وتلطف:
أن تأت صنوك عن قريب تلقه ... ما بين حد مهند ومثقف
أو تبط عن أنجاده فلقاؤه ... يوم القيامه في عراص الموقف